ومع أنها كذلك فما صح أن أرغم عليها أحداً، أو ألجأ إليها إنساناً، وكتابه الكريم ينادي بأعلى صوته يقول (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) وهو في الوقت الذي يجعل الأخذ بهذا الدين والإيمان به قائماً على الاختيار لا الاضطرار، يشرع للمسلم القتال دفاعاً عن عرضه أو ماله أو نفسه أو دينه.
وإذا نحن حققنا النظر في تلك الحرب التي كانت تدور رحاها السرايا التي أشاعت الخوف في الطريق إلى الشام أو منها وجدنا أنها لا تخلو من أن يكون الباعث عليها واحداً من الأمور الأربعة التي جعلناها أسباباً واضحة تبرر التحام الجيوش في ساحات القتال، فأموالهم في مكة قد اغتصبت، ودينهم يناله الإيلام والإيذاء والمطاردة والصد، ونفوسهم مهددة بالقضاء، فهم يقفون من كفار مكة الموقف الذي لا بديل عنه، ويساقون إلى حربهم بحكم الدفاع الذي لا بد منه، وحيثما انتهى قرار المسلمين بالمدينة واتخذوها الموطن الدائم كانت بحكم هذه الإقامة الدولة التي يحمون حوزتها ويدافعون عن حدودها، ويرون من يغير عليها، وتلك الطريق التي كانت تسلكها قريش وتنتهك حرمتها كانت في حدود الدولة وكان عليها لتمر منها أو تستخدمها لمصلحتها - أن تستأذن عليها كما تقضي بذلك الأعراف الدولية.
على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظل يكتفي منها بهذا النفر القليل الذي يثير الرعب ويشيع الفزع فلم يجعلها حرباً بمعنى الكلمة تتخذ لها الأهبة، ويوفر لها الاستعداد من الذخيرة والسلاح والرجال، لأن القصد الأول كان تعرّف أخبار قريش وتحركاتها واستعدادها لمواصلة القضاء على المسلمين، وكبت نشاطهم والحد من تحركهم، واتساع نطاق دعوتهم.