في هذه الآونة كان المسلمون يصلون إلى بيت المقدس، وكان هذا ذريعة لأن يعير اليهود (محمداً) وأصحابه أنهم يستقبلون قبلتهم ولا يتبعون شريعتهم، وكان لهذا القول وقعه السيئ على نفس (مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -) وأصحابه فهو لذلك يترقب بفارغ الصبر أن يحول الله وجهه إلى البيت الحرام بمكة الذي تهفو إليه مشاعره ويرتبط به وجدانه، وكان لشدة - طمعه في أن يحقق الله هذا الرجاء يتطلع بوجهه إلى السماء ترقباً للوحي الذي ينزل عليه وهنالك نزلت الآية: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (البقرة: 144).
وبذلك اطمأن خاطره واستراح قلبه وانقطعت قالة اليهود، وأصبحوا يفكرون في أشياء أخرى جديدة يبلبلون بها الأفئدة، ويشككون بها الناس، وينغصون بها الصفو على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
يقول الدكتور " هيكل " في كتابه (حياة محمد):
"وهنا بدأت حرب جدل بين محمد واليهود أشد لددا وأكبر مكرا من حرب الجدل التي كانت بينه وبين قريش بمكة، وفي هذه الحرب تعاونت الدسيسة والنفاق والعلم بأخبار السابقين من الأنبياء والمرسلين جمعتها اليهود صنوفا متراصة يهاجمون به محمداً - صلى الله عليه وسلم - ورسالته وأصحابه المهاجرين والأنصار، ودسوا من أحبارهم من أظهر إسلامه وجلس بين المسلمين باديا في غاية الورع والتقوى، ثم لم يلبث الحين بعد الحين أن يعلن من الشكوك والريب، ويلقي على محمد من الأسئلة ما يحسبه يزعزع في نفس المسلمين عقيدتهم به، ورسالة الحق التي يدعو إليها وانضم إلى اليهود - في ذلك كله - جماعة من الأوس والخزرج الذين أسلموا نفاقا وبلغ من