تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقول أساتذة التاريخ الإسلامي: إنهم كانوا يطمعون أن يسيطروا على محمد - صلى الله عليه وسلم - ويُسَخروه للدعوة اليهودية - كما يفهمونها - لتظل لهم السيادة، على أن يكون هو في دولتهم أشبه بالجندي المجهول في صفوفهم، لا يتحرك إلا بإرادتهم، ولا يدعو إلا بما يرسمونه له من المبادئ والآداب والدساتير والنُّظم، فلمَّا رأوا أنه لا يملك من أمر نفسه شيئاً، وأن حركته وسكونه وقوله وفعله وتوجيهه وإرشاده وهديه وتعاليمه وأوامره ونواهيه إنما يتلقاها من السماء، ويأخذها عن ربّ موسى وعيسى والأنبياء من قبله، وأنه ماضٍ في خطة هو فيها مُسخّر لا مُخيّر (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3).

لا تُحركه شهواته ولا يدفعه طموحه، أخذوا ينفِضون أيديهم من الآمال التي علّقوها على طيّهِ في أيديهم، ووضْعِه في جيوبهم، وتملكهم لزمامه، وحينئذٍ بدت الأحقاد والضغائن.

على أن اليهود إلى جانب ذلك كانوا في المدينة رجال أعمال ومال يحتكرون الأسواق، ويحذقون أساليب الربح ويتقنون فنون التجارة، ويحولون التراب إلى ذهب، والمهاجرون من مكة زاحموهم في الأسواق ونافسوهم في التجارة وضيقوا عليهم مجال العمل، فلم يعد لهم من الربح والاستغلال والاحتكار مثل الذي كان لهم من قبل، وهمُ الذين يجعلون المال إلههم من دون الله، لذلك ضاقوا ذرعا بمحمد وأصحابه، لأنهم عكَّروا صفو حياتهم، ونَغَّصوا عليهم العيش الذي كانوا يتمتعون به، ومن وراء هذا وهذا كان عبد الله بن أبي سلول على وشك أن يراه الناس:

يلمع التاج فوق هامَتِه على جبين كأنّه الذهب

لأن اليهود كانوا يُعدُّون العدة لتتويجه ملكاً عليهم - وإن لم يكُن يهوديا فقد كان عميلا لهم يعيش بعواطفهم ويجعل نفسه ذيلا في مؤخرتهم، فلما أشرق على المدينة نور الرسالة، وسطعت شمس الهِداية ذهبت تلك السحب وزال هذا الضباب وخابت ظنون وأحلام أوحَت بها الأماني الكاذبة والأوهام الباطلة.

من فيض الرسالة · الصفحة ٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٨٦