والفقر إذا ما تناول الناس في ناحية من هذه النواحي كان هو الموت الأحمر، ولكنه القدر القاسي يأبى إلا أن يضيف إلى مرارة الاغتراب وفراق الأهل والأصحاب مرارة الحاجة الشديدة والبؤس المحقق، والمسلمون في المدينة إن اتسعت صدورهم ودورهم لضيافة النازلين عليهم، لا تتسع أموالهم وأرزاقهم، وإن كانوا يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
لهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يهتم كل الاهتمام بأن يأخذ كل واحد من المهاجرين في عمل يكسب منه قُوتَه حتى لا يكون عالة على أخيه من الأنصار، على الرغم من أن الأنصار لم يتركوا باباً من أبواب البِّر بإخوانهم إلا ولجوه عليهم، وفتحوه لهم، ليشعروا أنهم لم تنأ بهم الدار، أو تنقطع بهم الأسباب، أو توصَد في وجوههم السبل، أو تقتر عليهم الأرزاق.
ولم يمضِ وقت طويل على هذه التجربة المريرة التي مر بها المهاجرون حينئذٍ إلا وهم لا يقلون في ثرائهم وكثرة أموالهم وانتعاشهم الاقتصادي عن السكان الأصليين - في المدينة من المسلمين وغيرهم - وكانت أروع صورة أعلنها رجل من المهاجرين في هذا الوقت تلك التي أعطاها عن نفسه عبد الرحمن بن عوف، وقد أخذت المؤاخاة والامتزاج والشركة بين الفريقين من المكِّيين والمدنيين تتحكم أواصرها، وتسود أسبابها، إذ آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، وقد عرض سعد عليه أن يقاسمه أهله وأمواله فأبى ذلك وقال له: (بارك الله لك في أهلك وأموالك دُلني على السوق) فدله على السوق وكان يتّجر في الأقطِ والسمن، ثم ما لبث إن كان من الأغنياء، وكان من أكثر المسلمين بذلا في سبيل الله إلى درجة أنه ساهم في تجهيز جيش العسرة أعظم المساهمة.
وهكذا يُخبر التاريخ عن المهاجرين أنهم لم يكونوا مثالاً من أمثلة البطالة والتواكل والعجز والاستجداء، لكنهم اشتغلوا بالتجارة والزراعة، وفرضوا أنفسهم على المجتمع الجديد سادة لا سُوقة.