وكان في هذا الوقت نفسه ينتظر هذا الانتظار، ويترقب هذا الترقب، ويصطف على جوانب الطرق أهل المدينة من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، إلا أنه آثر أن يستريح في (قباء) وأن يبني فيها مسجدا تقام فيه الصلوات، وكان هذا المسجد أول مسجد في الإسلام أعلن فيه المسلمون عبادتهم، ثم اجتمعت كلمتهم على نصرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ورفع راية الإسلام، والجهاد الحق في سبيل الله، فهو ذلك المسجد الذي امتدحه الله إذ يذم غيره حين يقول في سورة التوبة: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)
(سورة التوبة الآية: 107 - 108).
وهو هذا الذي أسس على التقوى من أول يوم ... وأهله هم هؤلاء الذين يصفهم (الْقُرْآنُ) بأنهم يحبون أن يتطهروا.
وإذا تحدث المؤرخون عن بنائه - صلى الله عليه وسلم - لهذا المسجد، وأنه خطب بالناس هنالك خطبة الجمعة وصلى بالناس، فهمنا نحن أنه كان بناء على الطريقة المألوفة باللبن والحجارة، اعتمادا على أن المدة التي أقامها بقباء كانت ثلاثة أيام وهي لا تتسع للبناء بمعناه الواسع، فإنه كان - على كل حال - رمزا للانتقال بالدين
من مرحلة العقيدة والإيمان إلى مرحلة العمل، وهي المرحلة التي كانت المدينة السبب الأصيل في وجودها، ولولا الهجرة إليها لما ظفر الإسلام بهذا الغنم إلا بعد عنف عنيف وجهد شاق.