وقد ورد حديث الإسراء والمعراج بصورتين مختلفتين باختلاف الرواة فالذي يرويه مالك بن صعصعة، غير الذي يرويه أنس بن مالك، وإن كان كلاهما يتفق على أن الإسراء تقدمه إيقاظ جبريل له وشق صدره وصب وعاء من علم وحكمة فيه، كما يتفق كل منهما على أن الرسل كانوا موزعين على أبواب
السماوات يستأذن عليهم (جبريل)، فيقول القائل منهم: (من يطرق الباب؟) فيرد عليه جبريل قائلاً: "أنا جبريل"، فيقول سادن الباب: "ومن معك؟ "، فيقول له: (مُحَمَّدٌ)، فيقول ذلك السادن: "أوَقد أرسل إليه؟ "، فيقول جبريل: نعم، فيقول السادن "أهلا بالأخ الصالح والنبي الصالح".
وأنت إذا تصورت هذا الاستقبال كله لم يرد في خيالك - شيئاً ما - عن هذا الذي تسمع به عن استعراض الجيوش لاستقبال الملوك وعظماء الدول احتفالا بقدومهم وابتهاجا بضيافتهم ولا تنس أنه صلى منهم وفي بيت المقدس وفيهم أبوه آدم، وأبوه إبراهيم، وأولو العزم من الرسل وهو دليل آخر على الحفاوة البالغة والتكريم الواسع المدى.
ويقول رواة الحديث: (إن جبريل - عليه السلام - لم يتجاوز السماء السابعة، أما هو - صلى الله عليه وسلم - فإنه ارتفع إلى سدرة المنتهى) ورأى نبقها مثل قلال هجر وورقها مثل آذان الفيلة ثم تجاوزه إلى (البيت المعمور) وهكذا رأى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وفي ذلك أيضاً دليل آخر على أن قدْره وراء هؤلاء جميعاً بما فيهم وجبريل، الذي لا يستطيع أن يتجاوز قدْره أو يتخطى مكانه.