تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كان في البستان الذي اتكأ إلى جداره بعض أصحابه من الأطفال فرق قلبهم له وثارت في النفوس منهم الشفقة عليه وبخاصة بعد أن سمعوا منه ذلك التضرع الباكي والتوسل الحزين فلم يجدوا من العزاء له إلا أن يشيروا على خادم لهم أن يقدم له عنقوداً من العنب وشربة من الماء فتناوله منه شاكراً له ولهم هذا الصنيع حتى إذا ما أخذ في الأكل سمى الله فملك ذلك على الخادم إعجابه وحمله هذا الإعجاب أن يسأله بعض أسئلة انتهت بإيمانه به وانقطاعه له وقد عاتبه مخدوموه فلم يأبه بهم أو يلتفت إليهم أو يفكر في أن ذلك قطع لما كان بينه وبينهم من صلة الخدمة التي يتعيش منها.

ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومضى معه ذلك الغلام وثالث هو مولاه (زيد بن حارثة) الذي كان معه.

ظل الرسول يفكر في المكان الذي يتجه إليه بعد ذلك ولم يكن قد رسم الخطة التي يختطها أو الجهة

التي يحول إليها وجهه ولم يكن هنالك مفر من الرجوع إلى مكة التي كان يرجو ألا يعاود الرجوع إليها وهو لا يأمن على نفسه إذا رجع إلى مكة أن يضاعفوا له الإيذاء ويواصلوا له الكيد ويدبروا له الشر وهو لم يبق فيه من الاحتمال ما يواجه له عدوانهم المنتظر ولا إيلامهم المترقب.

فكلف مولاه "زيداً" أن يسبقه إلى مكة ليبحث له عن رجل من أهل المروءة والنجدة والكرم والإباء والتفضل والأريحية ليجيره من هؤلاء الناس فكان ذلك الرجل هو (المطعم بن عدي) الذي قبِل أن يؤمنه ريثما ينكشف الغيم الذي يحيط به أو يبدو لمحمد وجهاً جديداً يتحول إليه.

وكان حدثاً من الأحداث أن يجير (المطعم بن عدي) رجلاً لا يجد في مكة كلها إلا قلوبا تغلي بالحقد عليه والكراهية له والنفور منه على أن "محمدا" - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ليفكر في البقاء هنالك حتى يعرض المطعم بن عدي، نفسه لسخطهم عليه من هذا الجوار الذي منحه لمحمد بل كان يرجو أن يبدله الله خيراً من مكة ومن أهلها

من فيض الرسالة · الصفحة ٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٦٦