تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما ذكره أبو جهل بما في الصحيفة أبدى تمرده عليها وعدم اعترافه بها، وقال له لم نكن حاضرين لكتابتها ولا راضين عن قيودها ثم أمن على قوله آخر وآخر، وهكذا حتى كادت الصحيفة تذوب من شدة ما وجه إليها من اعتراض ورميت به من قسوة ووصفت به من مجانبة للصواب، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد وصل إليه من العلم عن طريق الوحي أن الأرضة أكلت هذه الصحيفة الظالمة والوثيقة الغاشمة فأخبر بذلك بعض أصحابه ولم يلبث الخبر أن تطاير للمشركين أنفسهم فظنوا لأول وهلة أنها إشاعات يريد المسلمون بها بلبلة الخواطر استدراراً لعطف الناس عليهم وتمهيدا لرضا قريش بعودة المياه إلى مجاريها بينهم وبين المسلمين ولكن خبيثا من خبثائهم تسلل إلى الصحيفة في مكانها من الكعبة ثم جاء يعلن أن ذلك الخبر لا ريب فيه وهنالك ذهلت قريش ذهولا شنيعا وبخاصة حينما ترامي إليها أن (محمداً)، يقول: إن الأرضة لم تبق منها إلا لفظة (باسمك اللهم) وفي هذه اللحظة حاصوا حيصة حمر الوحش وأخذوا يروحون ويجيئون ويفكرون فيما عساه أن يكون، أو ما عساه أن يتخذ أمام هذا الموقف الذي وقفتهم إياه الحوادث وصيرتهم إليه الأقدار على اعتبار أنه خذلان لهم وتقهقر إلى الوراء في حرب المسلمين والقضاء على روحهم المعنوية التي تدفعهم دائما أبداً إلى الغيرة على محمد، والعصبية له والوقوف إلى جانبه والدفاع عنه والدعوة لدينه وإعلان رايته خفاقة مدوية، وقد أصبح بنو هاشم وبنو عبد المطلب يحسون بأن الصراع بينهم وبين قريش قبلي أو عصبي لا أثر للدين ولا للعقيدة فيه وصار هَمُّ أبي طالب، الاهتمام بابن أخيه في صحوة أو نومه وليله أو نهاره حتى لا تمتد إليه يد آثمة أو تتطاول عليه نفس خبيثة أو يقتله سيف ظالم ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتابع الدعوة الخافتة والجهود المكتومة، وأصبح ذلك الموقف أشبه بالإعلان الصامت لذلك الدين الذي أرادوا طمس معالمه وقبره في مهده منذ أول يوم ولادته،

من فيض الرسالة · الصفحة ٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٥٨