وهي وسيلة من وسائل الحرمان والتجويع والحيلولة بين الدولة وبين تبادل السلعة أو شرائها أو الانتفاع بها بوجه من الوجوه سدا لحاجتها وقضاءا لمصلحتها وإقامة للأسوار والحواجز دونها لتصبح أمام الضرورة الملحة والحاجة القائمة مضطرة للتنازل عن كرامتها وعزة نفسها وإبائها فلا تعارض في سلطان يفرض عليها أو رغبة ظالمة توجه إليها كما يفعل الآن أرباب الجشع الاستعماري والعار الأجنبي مع الشعوب التي تريد أن تحرر عن سيطرتهم أو تتخلص من نفوذهم، وهو بعينه الذي حدث من كفار مكة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين معه حينما وجدوا أنهم استنفذوا كل جهد في إرغامهم وبذلوا كل محاولة في إذلالهم وقطعوا كل أمل في إلجائهم وأن المطاردة والعنف والاستهزاء والتعذيب وغير ذلك وذلك.
لا يقف التيار الجارف التي كانت تسير به دعوة (محمد بن عبد الله)، إلى نفوس الرجال والنساء والصبيان والأطفال، وأن فيهم من يتسللون إلى بيوت المسلمين ليستمعوا إلى القرآن الذي كان يترك في نفوسهم يقض مضاجعهم ويطارد النوم عن أجفانهم ويثير الوساوس في قلوبهم والبلابل في أفئدتهم.
وقد حدث الرواة: أنهم بعد أن عقدوا المجالس للمشورة وتبادلوا الرأي لعلاج موقفهم مع (مُّحَمَّد)
انتهوا إلى معاهدة مكتوبة تربط ما بينهم وتعيد إلى حد بعيد سلوكهم مع المسلمين وكانت تلك المعاهدة
ألا يزوجوهم أو يجيروهم أو يغيثوا اللهيف الذي يستصرخ بهم أو يفزع إليهم وألا يتبادلوا وإياهم منفعة من المنافع على وجه من الوجوه وأن يكون حالهم معهم حال المنبوذين واستتبع ذلك أن ينفصل كل من الفريقين في الدار التي يعيشون فيها فكان هؤلاء المنبوذون في شعب بني هاشم وبني عبد المطلب وظل الأمر هكذا ثلاث سنوات كاملة.