تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ألمه أشد وهمه أكثر وعذاب نفسه أنكى وأوجع لأنه لا يملك هؤلاء جميعاً سوى الرثاء والإشفاق والحسرة والعناء والمضامنة واللوعة وإن كان يقول لآل ياسر: (صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة) أو يقول لخباب بن الأرت - الذي تضجر من قسوة تلك المحنة فطلب منه أن يدعو الله - سبحانه وتعالى - بكشف الغمة وتفرج الكربة: (يا خباب إنكم تتعجلون، لقد كان الرجل ممن قبلكم يمشط بأمشاط الحديد فلا يرده ذلك عن دينه ... ) الحديث.

وفي الحق إنها المحنة بلغت نهايتها في الشناعة وغايتها من البشاعة والعرب الذين كانوا يغيثون الملهوف ويبذلون المعروف ويحسنون الجوار وينكرون الظلم ويأبون القسوة، يتلوث تاريخهم بتلك المخازي وينحدر إلى ذلك المستوى.

أسئلة في الذهن ينهال بعضها في أثر بعض وتتزاحم في الرأس دون أن تظفر بالجواب؟

لكن الذي يعلم قذف النمرود لإبراهيم - عليه السلام - في النار ويتصور قصة أصحاب الأخدود التي ورد ذكرها في القرآن: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7).

يؤمن أن الإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان كما يؤمن أن الفضائل التي كان العرب يتمدحون بها لم تكن لها من الأصالة في النفس والتمكن من القلب والرسوخ في الخاطر ما يجعلها تمتزج بالدم وتتغلغل في الروح فتصور الأفعال على مقتضاها صدورها عن العقيدة وذلك هو السر في أن للتربية الدينية في الأمم والجماعات جلالها واحترامها وقوتها وسلطانها وثباتها وتمكنها، لأن الدين ينمي الوازع ويوقظ الضمير ويطهر القلب ويرتفع بالنفس عن الغرض والهوى والحاجة والغاية والشهرة والميل وهم كانوا في حاجة إلى ذلك كله لتجري منهم تلك الأخلاق مجرى الروح من الجسم.

من فيض الرسالة · الصفحة ٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٥١