إلا أن الإيمان الصادق والعقيدة الراسخة أو الإذعان القوي حينما يمتلئ بها القلب لا يبالي صاحبها بالعذاب ولا يأبه بالموت، وقديما آمن السحرة بموسى بعد أن عمرت ضمائرهم بهديه وضاءت بصائرهم بدينه فلما هددهم بالقتل لم يكترثوا لتهديده (قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73). وكذلك فعل أصحاب العزائم القوية من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فلم يفرطوا في دينهم أو ينفضوا عن نبيهم على الرغم من الجوع والعطش والمشقات التي كانت تترادف.
فهذا هو بلال الحبشي، مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد كان مملوكا لأمية بن خلف الجمحي يلاقي من مولاه هنا ما لا تحتمله الجبال ولا تصبر عليه البغال، ثم لا يؤثر في عقيدته ولا يعرفه عن طيته ولا يجعل قناته تلين لغامزه إذ يخرجه (أمية بن خلف)، إلى الرمضاء في وهج الظهيرة ويأمره أن يلقي بجسده العاري فوقها ثم
يكلفه حمل الحجر الثقيل ويقول له: "ستظل كذلك حتى تموت أو ترجع عن دين محمد" فلا يكون رده عليه إلا أن يقول: (أحد أحد)