يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، ولم يبق بعد ذلك كله إلا حديثه عن عالم الغيب من الجنة والنار والصراط والميزان والجزاء على الأعمال يوم القيامة وإعادة الأجسام بعد فنائها التي تعرض لها - صلى الله عليه وسلم - في دعوته، ليوقع الرهبة في نفوسهم والهلع في قلوبهم عسى أن يتخوفوا المصير ويحذروا سوء العاقبة وقد كانت هذه - أيضاً - محل تندر عندهم ومجال تكذيب وشك ولا سيما الشجرة التي تنبت في أصل الجحيم ليأكل منها أهل النار فيشتد الظمأ ولا يجدون ماء يرتوون به مبالغة في العذاب والإيلام (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46).
والتي جاء ذكرها في آية أخرى في قوله جل جلاله: "إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65).
ولم يعقلوا أن تعيش شجرة في النار أو تبقى على شدة اللهب، وسبب ذلك أنهم قاسوا الدنيا على الآخرة وقدرة المخلوق على قدرة الخالق وما علموا أنه - سبحانه - على كل شيء قدير.
وقد كان (لخباب بن الأرت) دين على كافر من هؤلاء المعاندين فلما طالبه به وألح في الطلب وكان ذلك الكافر يريد أن يتخلص منه قال له يا خباب سأدفع لك هذا الدين يوم البعث مع أن عقلاءهم تحدثوا به وحكماءهم ردوه على ألسنتهم ولم ينكره هذا الإنكار إلا الملاحدة الذين كانوا يقولون - كما حكا عنهم القرآن (إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت وتحيا وما نحن بمبعوثين) (سورة المؤمنون الآية: 37).