تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ»، قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ.

وفي هذه القصة دليل قاطع على أن الطابع التي تتميز به تلك الشريعة عن سواها من الشرائع أنها شريعة العلم بالأحكام والفقه في الدين والدراية الواسعة بما في هذا الكون من أسرار خفية، وقوى كامنة وخيرات سخرها الله للإنسان وذللها للناس ولذلك كان أول ناقوس قرع سمعه - صلى الله عليه وسلم - هو طلب القراءة: (اقْرَأْ)، ومتى أزال المرء عن نفسه غشاوة الجهل وقبس من نور العلم واهتدى بالمعرفة، كان من السهل عليه إلى حد بعيد أن يتجه إلى الخير وأن يسلك سبيل الصواب وأن يكون في كل تصرفاته وأعماله على سنن الحق ومنطق الصدق وشرعة الإنصاف، وكأنما العلم في هذه الدنيا هو الشعاع الهادي والمصباح المنير.

وهنا لفتة جميلة لا يمر بها الذهن المرور العابر، أو يخطر بها الخطور الخاطف ولكنه يتأملها تأمل الفاحص ويتروى في أخذ العبرة منها تروي العاقل، وتلك هي تكرار الأمر بالقراءة المرة تلو الأخرى، ليفهمه - صلى الله عليه وسلم - وتفهم أمته معه أن الذي يتطلب الأمر العظيم لا بد أن يحتال له، ويجدّ فيه من غير ملالة ولا سأم، وألا يكون الإخفاق فيه، أو عدم الحصول عليه سبيلاً إلى اليأس منه أو قطع الرجاء فيه فمن جد وجد ومن زرع حصد

ومن أراد العلا عفواً بلا تعب ... قضى ولم يقض من إدراكها وطرا

من فيض الرسالة · الصفحة ٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٢٦