تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت الشريعة في جملتها عناية بالروح وتطهيرا للقلب وتزكية للنفس وتربية للجوارح وكانت النية في العبادات وهي معنى وجداني بحت شرطاً في صحتها وعاملاً من عوامل قبولها، ويحاسب الله الناس عليها يوم القيامة كما يحاسب على الأعمال سواءاً بسواءٍ (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرتها إلى ما هاجر إليه).

بل إن في هذه الشريعة كثيراً من المعاني التي ترضي نزوعه - صلى الله عليه وسلم - إلى الخلوة وميله إلى التأمل في صنع الله الذي أتقن كل شيء خلقه، وحث صارخ على النظر في النجوم والكواكب والصحاري والبحار والليل والنهار، والاعتبار باختلاف الألوان والألسنة والحظوظ والأرزاق والصحة والمرض والشقاوة والسعادة، وهي سياحة طويلة في ملوكته وسفر مترام في مدى قدرته ليكون وراء ذلك كله التسليم له بالربوبية والإذعان له بالعبودية والإيمان بأن وحده (لا شريك له، له الملك وله الحمد).

ومن شعائر هذا الدين الاعتكاف في المساجد ... وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله أحد هؤلاء السبعة.

الرجل الذي تعلق قلبه بالمساجد فهو لا يغادرها إلا على شوق العودة إليها والاعتكاف فيها، وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا جاء العشر الأواخر من رمضان شمر عن ثيابه واعتزل أهله، واعتكف في المسجد.

ومن غريب المصادفات أن يكون المعتكف الأول للرسول الكريم - غار حراء - الذي كان يتردد عليه ويلتجئ إليه كلما حزبه أمر أو اشتد به هم، هو الابتداء للفرج الذي أصابه وللخير الذي أغدقه الله عليه، إذ عليه جاء جبريل الأمين بالرسالة وبشره بالاختيار، وبلغه عن ربه قوله:

(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5).

ثم توالى الغيث واسترسل.

من فيض الرسالة · الصفحة ٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٢٣