تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد رأينا أن الحروب والخلافات التي تثيرها الأفراد والجماعات، ويستعصي فيها الوئام والصلح، ترجع عن طريق مباشر أو غير مباشر، إلى هذا السبب الذي ينتهي في آخر أمره إلى الدين، والصراع الذي كان بين اليهودية والنصرانية غير منكور ولا بعيد، لذلك كله أدركت هذه الفلول المشركة في أطراف الجزيرة أو في داخلها، أنه لا علاج لتلك العلة المستعصية إلا بالدخول في هذا الدين، وأن وجودها خارج نطاقه حكم عليها بالإذلال والهوان، إلى الأبد، وعندئذ أخذت الوفود من نجران، وعبد القيس، وبني حنيفة، وكنده، وأزد شنوءه، وهمدان، وثعلبة، وغسان، وبني أسد، وبطون وقبائل كثيرة، تتوافد عليه صلى الله عليه وسلم لتعصم دماءها من السفك وقومها من الازدراء، وحياتها من الامتهان، ومستقبلها من الضياع، تعاهده على الإسلام الذي يرفع أهله من ذات الصدع إلى ذات الرجع، وهنالك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد اطمأن كل الاطمئنان على الاطمئنان، إلى أنه لا يحج مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، فأعلن أنه في هذا العام الحادي عشر سيخرج إلى حج بيت الله الحرام، ودب حنين المصاحبة له، وشرف المرافقة إلى الأفئدة المؤمنة والقلوب الممتلئة بنور اليقين، وخرج معه تسعون ألفا، أو أربعون ألفا، ومائة ألف في بعض الروايات، ومشوا تميد الأرض من تحتهم، وترقص النجوم من فوقهم، ويمتلئ الجو كله من حولهم بالبهجة والسرور، ويتقدمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ناقته القصواء قائلاً: «لبيك اللهم لبيك - لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك،

وهم بصوت واحد يرددون قوله، ويصيخون إلى نغمته الحلوة، ومقاطعه الرتيبة، وموسيقاه، التي تنساب في النفوس انسياب الحياة في الأحياء.

من فيض الرسالة · الصفحة ٢١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٢١١