تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رابعا: أن تتوافد عليه وفود الرجال والنساء، تبايعه على الإسلام والطاعة والبذل والعطاء، في حين أنهم لم يستطيعوا صد هذا التيار الزاحف، وهذه كلها معان تدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتحدث من موطن القوة لا موطن الضعف، وتلك لحظة من اللحظات التاريخية النادرة عوضه الله بها عن كل شدة كان يلاقيها، وكل إيذاء أصابه نصرا عزيزاً، أرضَ به خاطره، وأثلج صدره، وأراح فؤاده، ورفع رأسه، وبيض وجهه، وبوأه مقعد صدق عند مليك مقتدر، ونسي الرسول - صلى الله عليه وسلم - إحن هؤلاء وعداوتهم، ووضع نصب عينيه أنه الرحمة المهداة للناس.

ويعلق الدكتور هيكل على هذا الموقف فيقول: "ما أجمل العفو عند المقدرة! ما أعظم هذه النفس التي سمت كل السمّو، فارتفعت فوق الحقد وفوق الانتقام، وأنكرت كل عاطفة دنيا، وبلغت من النبل فوق ما يبلغ الإنسان! هؤلاء قريش يعرف محمد منهم من ائتمروا به ليقتلوه، ومن عذّبوه وأصحابه من قبل ذلك. ومن قاتلوه في بدر وفي أحد، ومن حصروه في غزوة الخندق، ومن ألّبوا عليه العرب جميعا، ومن لو استطاعوا قتله وتمزيقه إربا إربا لما ونوا في ذلك لحظة! هؤلاء قريش في قبضة محمد وتحت قدميه، أمره نافذ في رقابهم، وحياتهم جميعا معلّقة بين شفتيه، وفي سلطانه هذه الألوف المدجّجة بالسلاح تستطيع أن تبيد مكة وأهلها في رجع البصر! لكن محمدا! لكن النبي! لكن رسول الله ليس بالرجل الذي يعرف العداوة أو يريد بها أن تقوم بين الناس. وليس هو بالجبّار ولا بالمتكبر.

لقد أمكنه الله من عدوّه، فقدر فعفا، فضرب بذلك للعالم كله ولأجياله جميعا مثلا في البرّ والوفاء بالعهد، وفي سموّ النفس سموا لا يبلغه أحد".

والقارئ لأنباء هذه الغزوة وأحاديثها، يعثر على كثير من الأخبار الطريفة، والمفارقات الحلوة، التي تنبئ عن إخلاص المؤمنين لدينهم، ودعوة نبيهم، إخلاصا يفوق حدود الوصف، وتنبئ كذلك عن العصبية للجنس، أو الدم، أو الجاه والحكم.

من فيض الرسالة · الصفحة ١٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ١٩٨