الحياة يسلم حتى بيديه مفاتيح مكة فيما بعد.
ولم تكن هذه السنوات الست بالأمر الهين اليسير على نفوس المسلمين الذين فارقوا البيت الحرام ومكة التي تضم أهليهم وذوي قرابتهم وإخوانهم وأخواتهم بل لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر منهم جلدا ولا أشد منهم احتمالا أو أقل شوقاً ولهفة إلى أن يجد نفسه وقد مكنه الله من الأرض العزيزة عليه، ومن البيت الحبيب إليه حتى بلغ من حنينه هذا ومن شدة تعلقه بهذا المكان الذي بزغت شمسه قبل أن تطلع الشمس وتنشر ضياءها على هذه الدنيا أن رأى في منامه - صلى الله عليه وسلم - أنه دخل مكة ولم يكن يذيع فيهم ذلك النبأ ويبشرهم أنه سبحانه سوف يحقق لهم هذا الحلم (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين) (الفتح: 27)
حتى ويثبت أفئدتهم من بين أضلاعهم تطوف بالبيت وتتملى من نوره، وتتيمم بغباره وتملأ خياشيمها بريَّاهُ، ثم ظلوا يتحينون الفرصة ويترقبون أن يحقق الله لهم ما يرجون أن يكون إلا أنهم كانوا على يقين أن قريشاً لا تفتح لهم أبواب مكة يطوفون بالبيت الحرام عن رضا نفس وطيب خاطر، وسوف تصدهم صداً عنيفاً إذا علمت أنهم سيدخلونها عليهم بحكم السيف وسلطان الحرب،
كانت قريش لا تفكر في حرب محمد صلى الله عليه وسلم لأنها تعاني من حروبها الماضية وتقاسي مما خسرته فيها من عتاد ورجال، وكذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يرغب في حربها، ولا يميل إلى مناوشتنا، ولا يهيئ نفسه لمواجهتها، إلا أنه مع ذلك كله كان ينتظر أن يحقق الله ما وعده به، ولا يشك بعض الشك في أنه منجزه إياه، وكان يرجو أن يصل إلى غرضه باللين والسياسة والحزم والكياسة.