تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان مع (مُّحَمَّد) صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة ابن (حليمة) الذي كان في سنهِ والذي كان لفرط حبه له وتعلقه به يود ألا يفارقه، وكانت حليمة لهذه العاطفة التي كان ابنها يكنها لمحمد لا تفكر أن يعود (مُحَمَّدٌ) إلى أهله، وبخاصة بعد أن وجدت أن قدمه عليها يُمناً وعيشه في بيتها كان بركة، وأن المراعي لغنمتها قد أخصبت فزاد اللبن وكثر الخير وأن اليوم الذي لا ترى فيه هذا الطفل يملأ بيتها بنور وجهه هو اليوم الذي يكثر فيه شؤمها ويزداد بؤسها.

إلا أنها لم تفسر هذا الحادث الذي حدث لمحمد بشيء سوى أنه نكاية بها أو مؤامرة عليها وهي مشكلة - إن وقَعت - لا تستطيع أن تعتذر منها لأهل الطفل لذلك لم تجد مخلصاً من ذلك الضيق وراء رده لهم وتلسيمه إليهم وبراءة ذمتها من أمانة كانت تتحملها.

وراح الطفل إلى جده الشيخ (عبد المطلب) وكان هذا الطفل عند جده أحب الناس إليه، يرأمه ويعطف عليه ويوفر له أسباب الهناءة والسعادة ويملأ قلبه بالرضا والارتياح.

ومع ذلك كله كان اليتيم الفقير لا يزال يشعر بالفراغ الواسع الذي

تخلف عن فقده لأبيه وأمه ... وعلى الرغم من الانكسار الذي كان يلازمه ما هانت نفسه ولا انخفضت رأسه، بل كان دائما أبد يشعر أنه يعيش في دنيا غير دنيا الناس ويحيا في عالم غير هذا العالم الذي يرفع درجات أهله بالمادة الحقيرة والحطام الفاني والعرض الزائل، وما رآه راء من زملاءه وأقرانه إلا وحمله ترفعه عن السفاسف وبعده عن الدنايا على أن يحترمه احتراما يليق بأمثاله الذين يتعشقون المجد ويطلبون السؤدد.

وسبب ذلك يرجع إلى أنه لم يتدنس بدنس الجاهلية قط، وكأنما كان ينظر من عالم الغيب إلى ذلك الموقف الذي سيقفه من تلك الخرافات وهذه الحرب التي سيعلنها شعواء على تلك الخزعبلات فكان سلوكه الذي يسلكه ومعاملته التي يعامل بها من حوله على طراز من الأدب ومثال من الكمال.

من فيض الرسالة · الصفحة ١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ١٥