تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يعنينا من هذا العنوان أن نسترسل به مع الحوادث وأن نرجع بك إلى ما عساك أن تكون قد حفظته من بطون الكتب، أو سمعته من أفواه الرواة والقصاص، ولا أن ننتهي بك إلى تاريخ أنت تعرفه وتعيه، وإنما يعنينا أن نستشف ما تعطيه تلك النفس التي لا يتسع لها هذا الفضاء المحدود ولا تلك الأرض المرسومة ولا هذه السماء المرفوعة ولا ذلك الكون الفاني، وهي التي حام الفلاسفة حولها بحثاً ودرساً وتحليلاً وتعليلاً.

فما وصلوا إلى شيء وراء كونه خلاصة هذه الخلق وسر هذا الوجود، ومعنى الإنسانية في هذا الإنسان الذي أرسله لتقويمها وتهذيبها، وهدايتها وإرشادها وتكريمها وإجلالها وحريتها من ذل الأسر ورق العبودية وضراوة الإقطاع وكابوس الظلم والدساتير لتكون له السيادة في الأرض والقيادة لما في الدنيا من باغم وناغم: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70). (سورة الإسراء والآية: 70)

ولعل هذه الجوانب في حياته صلى الله عليه وسلم من العظمة الخارقة وبخاصة فيما يتناول تلك السرعة في انتشار العرب من وهدة التردي إلى قمة النهوض والسمو كانت موضع الدهشة عن كثير من المؤلفين القدامى فأضافوا عليه من النعوت والخلال ما يتجاوزون حدود البشرية، وهو الذي كان يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، ويعلن أن له ما لبني آدم من مزايا وخلال.

وقد كنا نحمد لهؤلاء الذين يكتبون عنه طريقتهم في الكتابة، وأسالبيهم في الدراسة ومنهجهم في البحث لو أنهم كانوا يحاولون أن يؤرخوا له من الحوادث وأن يجعلوا معينهم في ذلك سيرته مع أصحابه وتواضعه لأهله

وحبه لقومه وحدبه على البائسين ورفقه بالضعفاء وإيثاره لغيره ومحاولته القضاء على عناصر الفساد في الأرض.

من فيض الرسالة · الصفحة ١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ١١