تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثُم ذهب إلى مكة يرثي أصحاب "القليب" ويُحرض قريشاً على الثأر ويُنشد في ذلك الأشعار وعاد إلى المدينة فأخذ يُشَبِّبُ بنساء المسلمين حتى امتلأت النفوس بالغيظ منه، وحتى أجمع المسلمون على قتله، فذهب إليه جماعة استدرجوه حتى خلوا به وقتلوه، وزاد هذا الحادث من مخاوف اليهود، ولكنه لم يُسكتهم عن "محمد" ولا عن المسلمين حتى فاضت النفوس أيَّ فيض".

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظاً لحيلهم بصيراً بكيدهم عالماً بما تمتلئ به قلوبهم العفنة وضمائرهم الخبيثة وطواياهم الفاسدة ونواياهم الشريرة، ولقد رأيناه يأخذهم بحذق ويُقلَّم أظافرهم بحكمة، ويقُصُّ أجنحتهم ببراعة، ويستريح من كيدهم بمهارة، وينتهي بهم إلى الإذلال الذي كتبه الله عليهم، ولم تكن مانعتهم حصونهم التي أحكموا بناءها.

وقد كان بنو "قينقاع" بداخل المدينة يعملون في صياغة الذهب

والحلي وكان المال الذي في أيديهم يملاً نفوسهم بالخيلاء ورؤوسهم بالكبر، وظنوا أنهم يستطيعون أن يسيروا على جماجم المسلمين ويطئوا بأرجلهم أشلاءهم، لأن اقتصاد المدينة وتجارتها وأسواقها بأيديهم هم، لا يزاحمهم في ذلك كله أحد، وفي ذات يوم قدمت إلى بعض أسواقهم امرأة من المسلمين لتشتري شيئاً من الذهب فتطاول أحدهم عليها وعبث بخبائها وعرى ثوبها عن جسدها فأخذت الغيرة رجلاً من المسلمين فقتل ذلك اليهودي الذي تطاول على المرأة المسلمة.

وكانت هذه هي الشرارة الأولى في إشعال نار حرب بين يهود بني قينقاع والمسلمين، على الرغم من المعاهدة القائمة بين المسلمين وسائر اليهود، وقد أعلنوا عدم التزامهم بهذه المعاهدة وتحديهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه، وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم:

"لا يغُرّنكَ أنك لقيتَ قوماً لا علمَ لهم بالحرب فأصبت منهم، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس".

من فيض الرسالة · الصفحة ١٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ١٠١