حصول هذا التوفيق يكون حصول الفعل واجبا، فاستغنى بذكر السبب عن ذكر المسبب. ولو كان تخلف الفعل عن حصول هذا التوفيق ممكنا، لكان من الواجب أن لا يكتفي بذكر هذا التوفيق عن حصول ذلك الفعل. بل كان ينبغي أن يذكر أن ذلك الفعل. هل حصل أم لا؟.
الحجة الثامنة عشر: قوله عليه السلام، حكاية عن رب العزة: «خلقت هؤلاء للجنة، ولا أبالي، وخلقت هؤلاء للنار، ولا أبالي» (1) والخصوم حملوه على العلم، أو على الكتابة في
اللوح المحفوظ. وقد سبق جوابه.
الحجة التاسعة عشر: ما روى أبو حازم، عن أبي هريرة - رضي اللَّه عنه - قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «من وقي الذي بين لحييه ورجليه دخل الجنة» (2) النص: دل على أن تلك الوقاية مضافة إلى غير العبد. وما ذاك إلا اللَّه تعالى. وهذا يدل على أن العبد إنما يبقى مصونا عن المعاصي بتوفيق اللَّه. قالوا: المراد منه: «الألطاف» وجوابنا: إن كل ما قدر اللَّه عليه من الألطاف، فقد فعله. وأيضا: اللطيف لا بد وأن يكون مرجحا، وكل مرجح فهو موجب. على ما مر تقريره مرارا. وقالوا: «ليس كل ما رجح الداعي، فإنه واجب الفعل، فإنه قد يميل قلبنا إلى بعض الأفعال مع أنا لا نفعل» والجواب: إن ذلك الميل. إنما لا يوجب الفعل، لأنه لما صار معارضا بصادر آخر أقوى منه، فحينئذ لم يبق ميلا. بل الميل المرجح إذا حصل وخلى عن المعارض، فإنه كما يرجح، فلا بد وأن يوجب الفعل كما قررناه.
الحجة العشرون: ما روى يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الدؤلي قال: قال عمران بن الحصين: يا أبا الأسود أ رأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه؟ أ شيء قضي عليهم؟ أو فيما يستقبلون مما أتى به نبيهم وأخذ به عليهم
(1) رواه أحمد والحاكم عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي. بلفظ: «إن اللَّه خلق آدم ثم أخذ الخلق من ظهره فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي» وللحديث روايات كثيرة. وقد روى مالك وأحمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن عمر رضي اللَّه عنه مرفوعا: «إن اللَّه خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون ... » وروى مسلم نحوه عن عائشة رضي اللَّه عنها مرفوعا بلفظ: «إن اللَّه خلق الجنة وخلق النار فخلق لهذه أهلا ولهذه أهلا» وروى أبو يعلى عن أنس رضي اللَّه عنه مرفوعا: «إن اللَّه قبض قبضة فقال: «هذه إلى الجنة برحمتي وقبض قبضة فقال هذه إلى النار ولا أبالي» وروى أحمد عن أبي الدرداء عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: خلق اللَّه عزّ وجلّ آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضا كأنهم الذر وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سودا كأنهم الحمم - - فقال للذي في يمينه إلى الجنة ولا أبالي وقال للذي في كفه اليسرى إلى النار ولا أبالي» - رواه كذلك البزار والطبراني - وروى نحو البزار والطبراني في الكبير والأوسط عن أبي موسى الأشعري رضي اللَّه عنه مرفوعا بلفظ «هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي» وانظر مجمع الزوائد لابن حجر الهيثمي (188) / (7) - (190) والفتح الكبير (333) / (1)).
(2) الحديث رواه الترمذي في الزهد باب ما جاء في حفظ اللسان ((606) / (4) رقم (2409)) ولفظه: «من وقاه اللَّه شر ما بين لحييه وشر ما بين رجليه دخل الجنة» ثم قال: هذا حديث حسن غريب. رواه الحاكم في المستدرك ((357) / (4)) وابن حبان (الفتح الكبير (244) / (3)).