وقوله رابعا: «خروج الناس من الجنة، ما كان بسبب آدم» قلنا: لم لا يجوز أن يقال: لما حصل الإخراج مقارنا لتلك الزلة، انضاف إليها بحسب الظاهر.
وقوله خامسا: «لو كان ذلك حجة لآدم، لكان أيضا حجة لفرعون وهامان» قلنا: هذه المناظرة إنما وقعت بين آدم وبين موسى. وهذه الحجة قوية بشرط أن تقع المناظرة بين إنسانين.
إلا أن عندنا المناظرة مع اللَّه ممتنعة. فلله - سبحانه - أن يقول: هذا العذر، وإن كان عذرا فيما بين الخلق. إلا أني لا أقبله من فرعون وهامان، وأقبله من آدم. لأن أفعالي معللة بمحض الإلهية.
وقوله سادسا: «لعله - عليه السلام - إنما حكى هذا الكلام عن اليهود» قلنا: هذا سوء ظن بالراوي (1).
وقوله سابعا: «لعل الإعراب بخلاف ما ذكرتم» قلنا: هذا أيضا سوء ظن بالراوي (2).
وقوله ثامنا: «لعل المراد بهذا التقدير: أنه تعالى كتب ذلك على آدم» قلنا: هب أنه كذلك. لكن اللَّه تعالى لما أخبر عنه، امتنع أن لا يقع، وإلا لزم أن ينقلب خبر اللَّه من كونه صدقا إلى كونه كذبا، وإنه محال (3).
واعلم: أنه لما رجع حاصل الاستدلال بهذا الخبر إلى هذا الحرف. فنقول: هذا الحرف حاصل، بدون التمسك بهذا الخبر. لأن القرآن دل على أنه تعالى أخبر عن بعضهم، أنه لا يؤمن. حينئذ يتم هذا الاستدلال، من غير حاجة إلى التمسك بهذا الخبر. ويمكن أن يقال:
فائدة هذا الخبر: أن يعلم أن الاستدلال بمثل هذه الحجة منقول عن أكابر الأنبياء - عليهم السلام - وذلك من أعظم الفوائد. واللَّه أعلم.
(1) النصوص الحديثية لم ترد بذلك. ولا تقام الحجج على «لعلّ». ولا يقال إن ذلك محتمل وإلا لانهارت السنة بأكملها، وتطرق الطعن إلى الصحابة. وإذا ثبت النص فلا معنى لذلك الاحتمال الذي لا يقدم ولا يؤخر في فهمه. فضلا أن حكاية ذلك عن اليهود ينبغي أن تقترن بالذم حتى ترفض وترد. وذلك لم يكن.
(2) أيضا لم ترد الروايات على اختلافها إلا برفع لفظة «آدم» لا نصبها. ولا حجة لمخالف مخالفته قائمة على مجرد احتمال مدفوع إن لم يكن باليقين فبالظن الراجح.
(3) لا بد من الإشارة إلى أن حادثة عصيان آدم تقع ضمن سلسلة الأحداث التي انتهت باهباطه إلى الأرض مكان الاستخلاف ولذلك فإنها تقع كذلك ضمن الحكمة الإلهية السابقة والخارجة عن علم آدم وقت حصولها. ولذا فاحتجاج آدم كان بعد حصول الحادثة والتوبة والإهباط والاستخلاف. وموسى عليه السلام كما في الحديث الشريف يلومه على المرحلة السابقة على هذا كله.