وعند هذا قال: «ثمامة»: لا يجوز أن يقال: الحمد للَّه على نعمة الإيمان، ومنع هذا الإجماع.
والجواب عن الأول: إن الإيمان غير، والقدرة على الإيمان غير. فهب أنا نشكره على أن أعطانا القدرة على الإيمان، لكن كيف نشكره على الإيمان، مع أنه تعالى ما أعطانا الإيمان؟.
وأما السؤال الثاني: فهو باطل. لأن إجماع الأمة على قولهم: الحمد للَّه على نعمة الإيمان:
معلوم بالتواتر. فكان منكره منكرا للإجماع. والذي يدل على أن هذا الإجماع معلوم بالتواتر: أن
المعتزلة ذكروا أن «ثمامة بن الأشرس» إنما منع هذا الإجماع عند «جعفر بن حرب» (1) جوابا عن كلام رجل من أهل السنة، احتج بهذا الدليل. قالوا: فلما سمع «جعفر بن حرب» هذا الكلام، قال: لما شنعت هذه المسألة، سهلت. وهذا يدل على أن «جعفر بن حرب» كان معترفا بأن منع هذا الإجماع: شنيع.
وأما الآيات الدالة على كون العبد مشكورا على الطاعات: فهي لا تنافي كون اللَّه تعالى مشكورا على تلك الطاعات. لأن الشكر هو التعظيم. وتعظيم العبد للَّه، ليس إلا المدح والثناء. وتعظيم اللَّه للعبد، ليس إلا إيصال الثواب إليه. ولا منافاة بين الأمرين. فثبت: أن كون العبد مشكورا على الطاعات، لا ينافي كون اللَّه مشكورا عليها. واللَّه أعلم.
الحجة السابعة عشر: قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ. وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ (2) وإيتاء الرشد، ليس عبارة عن أصل العقل وسلامة المزاج. لأن ذلك حاصل في حق الأكثرين.
(1) هو جعفر بن حرب، أبو الفضل ذكره ابن المرتضى في رجال الطبقة السابعة من طبقات المعتزلة. (ص (73)) وتنسب إليه هو جعفر بن مبشر فرقة الجعفرية. درس الكلام بالبصرة على أبي الهذيل العلاف. وكان له اختصاص بالواثق. توفي سنة (236) ه. له من الكتب: الإيضاح والأصول الخمسة التي بني عليها الإسلام، والمسترشد. راجع ترجمته ومذهبه في: طبقات المعتزلة (73)، تاريخ بغداد (162) / (7)، لسان الميزان (113) / (2)، الفرق بين الفرق (167)، الأعلام (116) / (2)، معجم المؤلفين (136) / (2)، تاريخ التراث العربي (402) / (2)، التبصير في الدين (72).
(2) سورة الأنبياء الآية (51).