تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النص على أن جميع الحسنات والسيئات من اللَّه، لزم القطع بأن جميع المعاصي والطاعات من اللَّه تعالى.

فإن قيل: المراد هاهنا بالحسنة والسيئة، ليس هو الطاعة والمعصية. ويدل عليه وجوه:

الأول: اتفاق الكل على أن هذه الآية نازلة في معنى الخصب والجدب (1). قال المفسرون:

كانت المدينة مملوءة من النعم، وقت مقدم النبي صلى اللَّه عليه وسلم، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين، أمسك اللَّه عنهم بعض الإمساك، كما جرت عادته في جميع الأمم. قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ، مِنْ نَبِيٍّ إِلّا أَخَذْنا أَهْلَها (2) فعند هذا قال اليهود والمنافقون: ما رأينا أعظم شؤما من هذا الرجل. نقصت ثمارنا، وغلت أسعارنا، منذ قدم. فكان قوله: إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يعني الخصب ورخص السعر وتتابع الأمطار. قالوا: هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ وهي الجدب وغلاء الأسعار. قالوا: هذا من شؤم محمد - عليه السلام - فثبت: أن المراد هاهنا من الحسنة والسيئة ليس هو الطاعات والمعاصي، بل الرخص والقحط.

الثاني: إن الحسنة إذا أريد بها الخير والطاعة. لا يقال فيها: أصابتني. وإنما يقال:

أصبتها. وليس في كلام العرب: أصابت فلانا حسنة. بمعنى أنه عمل خيرا، وأصابته سيئة بمعنى عمل معصية. بل نقول: لو كان المراد ما ذكرتم، لقال: إن أصبتم حسنة.

الثالث: لفظ الحسنة واقع بالاشتراك على الطاعات، وعلى المنافع الدنيوية، وهاهنا أجمع المفسرون على أن المنافع مرادة، فيمتنع كون الطاعات مرادة. ضرورة أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعا.

الرابع: إنه تعالى قال بعد هذه الآية: ما دل على أن المراد بالحسنة والسيئة في هذه الآيات، ليس هو الطاعات والمعاصي. وبيانه من وجهين:

(1) راجع التفسير الكبير للفخر الرازي (188) / (10)؛ والبحر المحيط لأبي حيان (302) / (3).

(2) سورة الأعراف الآية (94).

القضاء والقدر · الصفحة ١٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ١٧٦