تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان صلوات اللَّه عليه يقول: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك» (1) ومعناه:

ما ذكرناه. فلما أخبر اللَّه تعالى عن الراسخين في العلم أنهم يقولون: «آمنا» بالمحكمات

والمتشابهات، وأن كلها «من عند» اللَّه، حكى عنهم أنهم تضرعوا في أن لا يجعل قلبهم مائلا إلى الباطل، بعد أن جعله مائلا إلى الحق. فهذا كلام عقلي برهاني قاطع متأكد بهذا التقرير القرآني.

فإن قيل: لما دلت الدلائل على أن الزيغ لا يجوز أن يخلقه اللَّه تعالى، وجب حمل هذه الآية على التأويل. وهو من وجوه:

الأول: قال «الجبائي» (2): المراد بقوله: لا تُزِغْ قُلُوبَنا أي لا تمنعها الألطاف التي معها تستمر القلوب على صفة الإيمان. وذلك لأنه تعالى لما منعهم ألطافه عند ما صاروا مستحقين لذلك المنع، جاز أن يقال: إنه تعالى أزاغهم. ويدل على صحة هذا الوجه: قوله تعالى: فَلَمّا زاغُوا، أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ (3).

قال: «أبو بكر الأصم» (4): معناه: لا تسلط علينا بلايا، تزيغ عندها قلوبنا. وهو كقوله تعالى: وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ: أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ. ما فَعَلُوهُ إِلّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ (5) وقال: لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ، لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ (6) فصار حاصل هذا الوجه: لا تكلفنا من العبادات ما لا نأمن معها من الزيغ. وقد يقول القائل: لا تحملني على إيذائك، وعلى سوء الأدب عندك. أي لا تفعل بي ما أصير عنده سيئ الأدب عندك.

الثالث: قال «الكعبي»: لا تُزِغْ قُلُوبَنا أي لا تسمنا باسم الزائغ، كما يقال: فلان يكفر فلانا، إذا سماه كافرا.

(1) سيأتي تخريجه.

(2) تقدمت ترجمته.

(3) سورة الصف الآية (5).

(4) هو أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم. كان من المعتزلة - الطبقة السادسة عند ابن المرتضى «كان من أفصح الناس وأفقههم خلا أنه كان يخطئ عليا عليه السلام في كثير من أفعاله ويصوب معاوية في بعض أفعاله ... وله تفسير عجيب وكان جليل المقدار يكاتبه السلطان ... ولأبي الهذيل معه مناظرات» (طبقات المعتزلة ص (57)). وكان معاصرا لهشام بن الحكم - المتوفي سنة (190) ه‍- انظر أيضا لسان الميزان لابن حجر (427) / (3)؛ الفصل لابن حزم (34) / (3) وتاريخ التراث العربي (395) / (2).

(5) سورة النساء الآية (66).

(6) سورة الزخرف الآية (33).

القضاء والقدر · الصفحة ١٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ١٧٣