الثاني: لا نزاع أن الجعل حقيقة في التصيير، فوجب أن لا يكون حقيقة في عيره، دفعا للاشتراك.
الثالث: إن بتقدير أن يكون المراد منه هو الحكم والتسمية. لكن الجبر على هذا التقدير أيضا لازم، لما ثبت في باب العقليات: أن ما أخبر اللَّه عنه، فإن خلافه يفضي إلى الكذب في كلام اللَّه. وذلك محال، والمفضي إلى المحال محال، فكان خلافه محالا، فكان حصوله واجبا، ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين. فثبت: أن هذا الوجه الذي ذكروه، فإنه مع غاية ضعفه، لو صح؛ فإن يقوي مذهبنا ويؤكده.
قوله: «لما لا يجوز حمله على طلب الألطاف» (1)؟ قلنا: هذا أيضا مدفوع لوجوه:
الأول: إن لفظ الجعل مضاف إلى الإسلام، فصرفه إلى غيره مخالفة للظاهر.
الثاني: إن عندكم كل ما أمكن فعله من الألطاف، فقد فعله اللَّه. فحمل هذا السؤال على طلب الألطاف يكون طلبا لتحصيل الحاصل. وهو محال.
الثالث: إن تلك الألطاف. إما أن يكون لها أثر في ترجيح جانب الفعل على جانب الترك، أو لا يكون. فإن لم يكن لها أثر في هذا الترجيح، كان أمرا أجنبيا عن الإيمان، جاريا مجرى نعيق الغراب، وصرير الباب. وأما إن كان لتلك الألطاف أثر في الترجيح. فنقول: متى حصل الرجحان، فقد حصل الوجوب. وذلك لأن مع حصول ذلك القدر من الترجيح. إما أن يجب الفعل أو يمتنع، أو لا يجب ولا يمتنع. فإن وجب فهو المطلوب. وإن امتنع
(1) يعرف القاضي عبد الجبار الهمذاني المعتزلي للطف قائلا: «أعلم أن المراد بذلك عند شيوخنا رحمهم اللَّه، ما يدعو إلى - - فعل الطاعة على وجه يقع اختيارها عنده أو يكون أولى أن يقع عنده. فعلى هذين الوجهين يوصف الأمر الحادث بأنه لطف. وكلاهما يرجع إلى معنى واحد وهو ما يدعو إلى الفعل. لكن طريقة الدواعي إليه تختلف على الوجهين اللذين ذكرناهما .. (المغنى في أبواب التوحيد والعدل - الجزء الثالث عشر وهو خاص باللطف ص (9)).
ويصور لنا أبو الحسن الأشعري خلاف المعتزلة في المعتزلة قائلا:
«واختلفوا هل يوصف البارئ بالقدرة على لطيفة لو فعلها بمن علم أنه لا يؤمن لآمن. فقال أهل الإثبات جميعا وبشر بن المعتمر وجعفر بن حرب أن اللَّه سبحانه يقدر على لطيفة لو فعلها بمن علم أنه لا يؤمن لآمن. غير أن جعفر بن حرب كان يقول: إنه إن فعلها بمن علم أنه لا يؤمن لم يكن يستحق من الثواب على الإيمان ما يستحقه إذا لم يفعلها به ... ثم رجع جعفر بن حرب عن القول باللطف بعد ذلك فيما حكى عنه. وقال بشر أن ما يقدر اللَّه عليه من اللطف لا غاية له ولا نهاية وعند اللَّه من اللطف ما هو أصلح فما فعل ولم يفعله ولو فعله بالخلق آمنوا طوعا لا كرها. وقد فعل بهم لطفا يقدرون به على ما كلفهم. وقالت المعتزلة كلها غير بشر بن المعتمر أنه لا لطف عند اللَّه لو فعله بمن لا يؤمن لآمن. ولو كان عنده لطف لو فعله بالكفار لآمنوا ثم لم يفعل بهم ذلك لم يكن مريدا لمنفعتهم. فلم يصفوا ربهم بالقدرة على ذلك. تعالى اللَّه عما يقولون علوا كبيرا» (مقالات الإسلاميين ص (574) - نشر هلموت ريتر). وانظر في مسألة اللطف أيضا: الفرق بين الفرق ص (156)؛ مجرد مقالات أبي الحسن الأشعري ص (124)؛ محصل أفكار المتقدمين للرازي ص (295)؛ الملل والنحل للشهرستاني ص (64)؛ الفصل في الملل والأهواء والنحل (201) / (3)؛ المعتزلة لزهدي جار اللَّه ص (106)؛ مذاهب الإسلاميين للدكتور بدوي (293) / (1)؛ في علم الكلام للدكتور صبحي (267) / (1).