تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

محال. ولأن بتقدير أن يكون جسما، فظاهر الآية يقتضي أنه بقي، ولا يبقى منه إلا الوجه. وذلك محال.

فثبت: أنه لا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها، فلا بد من تأويلها، وذلك التأويل ما نقل عن ابن عباس (1) أنه قال: «إلا وجهه» معناه: «إلا العمل الذي يؤتى به لمرضاة اللَّه تعالى» وعلى هذا التقدير، فيكون المراد بوجه اللَّه: تلك الأعمال. وحينئذ لا تدل الآية على وقوع اسم الشيء على اللَّه تعالى.

المقام الثاني: لو سلمنا أنه تعالى مسمى باسم الشيء، إلا أنه تعالى لما حكم بكونه خالقا لكل شيء. كان هذا تصريحا بأن المراد: كونه خالقا، لكل ما عداه، من الأشياء، لما ثبت أن المخاطب، لا يندرج تحت الخطاب في أمثال هذه الألفاظ (2).

فهذا مجموع ما قيل في بيان أن هذا العموم غير مخصوص. لأنا نقول: أما بيان أن اللَّه تعالى مسمى باسم الشيء. فلإجماع العلماء المتأخرين عليه. ولا عبرة بمخالفة «جهم» فإنه ليس ممن يعتبر قوله في الإجماع.

وأما أن هذا التعميم مخصوص. فلأن قوله تعالى: كُلِّ شَيْءٍ يتناول ذات اللَّه. وإنما أخرجناه لما ذكرتم من القرينة. فكان هذا تخصيصا للعموم. ثم نقول: إن هذا العموم مخصوص، فوجب أن لا يبقى حجة، لأنه لما دخله التخصيص، لم يبق ظاهره مرادا. فوجب صرفه إلى بعض المجازات، وليس بعضها أولى من بعض، فيصير مجملا. وهذا هو تقرير قول من يقول: إلا أنا نقول: لا شك أن تخصيص عموم القرآن بالدليل: جائز. وهاهنا قد وجدت دلائل متصلة بهذا النص، ودلائل منفصلة عنه تقتضي تخصيص هذا العموم بالنسبة إلى أفعال العباد.

(1) أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما (كل شيء هالك إلا وجهه) إلا ما يريد به وجهه. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي اللَّه عنه نحوه (الدر المنثور (140) / (5)).

(2) من المواضيع التي بحثها علماء أصول الفقه: هل يدخل المخاطب تحت عموم الخطاب؟ فقال جمهورهم بدخوله واندراجه تحت الخطاب العام. وقال قوم بأنه لا يندرج وبعضهم فصل فقال بدخوله في الخبر لا في الأمر. وقال قوم بأن العبرة في القرائن. وقالوا إن قوله تعالى اَللّاهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا يدل على امتناع دخول المخاطب تحت عموم الخطاب. لعدم تناول معنى الخلق له أصلا.

راجع المحصول للرازي (452) / (1)؛ المستصفى للغزالي ((88) / (2) - (89))؛ والبرهان لإمام الحرمين الجويني ((362) / (1))؛ والتحصيل من المحصول للأرموي (404) / (1)؛ ونهاية السئول للأسنوي وهو شرح منهاج الوصول للبيضاوي ((372) / (2)). المنخول للغزالي (143)؛ التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للأسنوي (ص (346))؛ والاحكام في - - أصول الأحكام للآمدي ((296) / (2))؛ حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع للسبكي ((429) / (1))؛ شرح تنقيح الوصول للقرافي (ص (221))؛ منتهى ابن الحاجب (ص (118))؛ روضة الناظر (ص (211)) والتقرير والتحبير شرح تحرير الكمال بن الهمام ((229) / (1)؛ وتيسير التحرير لمحمد أمين (256) / (1)؛ وفواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت - لابن عبد الشكور - والشرح لعبد العلي الأنصاري ((280) / (2))؛ وإرشاد الفحول للشوكاني (ص (130)).

القضاء والقدر · الصفحة ١٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ١٣١