تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

البحث الثالث في أن القرآن هل يصير مطعونا فيه بسبب ما فيه من الآيات الدالة تارة على الجبر، وأخرى على القدر؟ (1)

قالوا: إن الجبرية تمسكوا بآيات كثيرة، قوية الدلالة على الجبر. والقدرية أيضا تمسكوا

بآيات كثيرة، قوية الدلالة على القدر. فترى كل واحد من هذين الخصمين، إذا حاول الجواب عن دلائل خصمه، فإنه يحتاج إلى تأويلات مستكرهة، ووجوه متعسفة. ولا يليق بالحكيم أن يتكلم بكلام، ويريد به تلك المعاني. فعلمنا منهم أن القرآن مشتمل على التناقض. ثم الذاكرون لهذا السؤال فريقان. منهم من ينكر نبوة محمد - عليه الصلاة والسلام - فيستدل بهذه الشبهة على قوله، ومنهم من يقر بنبوة محمد - عليه الصلاة والسلام.

وحينئذ يستدل بهذه الآيات المتعارضة على أن القرآن قد دخله التغيير والتحريف، وأنه ما بقي كما أنزله اللَّه. فإن من المحال أن يقول الحكيم كتابا يشتمل على هذا الحد من التناقض.

(1) القرآن الكريم، هو كتاب اللَّه تعالى، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولو كان من عند غير اللَّه عزّ وجلّ لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. وهو يمثل كلام اللَّه، ففيه وحدة المخاطب (بكسر الطاء) ووحدة المخاطب (بفتحها) ووحدة الخطاب. فلا ينبغي أن يدعي مدع أن القرآن يتعارض أو تتناقض آياته. وإذا حدث مثل هذا الأمر فسببه الرئيسي راجع إلى الإنسان إما إلى فهمه وإدراكه أو ضعف لسانه العربي المبين، أو عدم اطلاعه الوافي على كل القرآن الكريم، أو ربما تلبيسه الحق بالباطل وإدخال معاني غير معهودة عند العرب أو في القرآن على النصوص القرآنية. أو جعله الآيات القرآنية خادمة لآرائه وناصرة لمذهبه! ..

ومن هنا فإنه من الضروري لكل مفسر أن يراعي أن تكون تفسيراته غير مخلة بالسياق القرآني وغير مخلة بالنظم القرآني ككل. دون ما حاجة إلى تأويلات متعسفة تخرج الألفاظ من سياقاتها وتجعلها قطعة فريدة يلجأ المفسر بعدها إلى تحميل اللغة العربية عبء البحث عن معنى بعيد يستطيع أن يفسر به هذه اللفظة أو يرفع التعارض المظنون.

والقرآن الكريم لم يتعرض للمشكلة - القدر - بكونها مشكلة. وإنما إشكاليتها أتت من البحث العقلي ومن مناهج الفلاسفة والمتكلمين في البحث. والقرآن الكريم وحي منزل من عند اللَّه عزّ وجلّ فهو في الأصل لحل إشكاليات العقل ولرفعه من حيرته، ولانتشاله من ظنونه بسبب عدم إدراكه لكل الجوانب في بحثه. فهو من هذه الجهة ليس جبريا ولا قدريا. ولا يقال القرآن أو آيات القرآن جبرية بمعنى أنها تدل وتثبت مذهب الجبر ولا قدريا بمعنى أنه يؤيد وجهة نظر القدريين والمعتزلة ...

البحث في القرآن اشتمل على البحث في الإنسان كإنسان ومخلوق، يعيش بين عالمين عالم الشهادة وعالم الغيب، يتصل - - سلوكه بعدة مؤثرات:

(1) - إدراكاته وانفعالاته ودوافعه وميوله (أو غرائزه وما سماه القرآن بالهوى).

(2) - المجتمع الذي يعيش فيها. سواء كان مجتمعا صغيرا كالأسرة أو كبيرا كالبلد.

(3) - الفترة التاريخية السائدة (سنن اللَّه عزّ وجلّ في الناس والأمم).

(4) - الجن والشياطين والوسوسة (شياطين الجن والإنس).

(5) - الملائكة والإلهام (أو ما سماه الحديث لمة الملك).

(6) - بالحوادث الجزئية والفردية التي تحصل معه اتفاقا أو قصدا منه.

(7) - كونه يعيش بين أزمنة ثلاثة ماض وحاضر ومستقبل غيّب عنه. يجعل أعماله عرضة للاحتمالات الكثيرة فيما يتعلق باللحظة المقبلة.

(8) - ثم هو أولا وأخيرا تحت سلطان اللَّه عزّ وجلّ (بعلمه وإرادته وقدرته ومشيئته وخلقه وحكمته) هذا فضلا عن المبدأ القرآني الذي يؤكد عليه كثيرا: المسئولية والثواب والعقاب في الآخرة. أي أن الإنسان فوق كل هذه العوامل والمؤثرات مكلف. مأمور منهي ولم يترك سدى. وهذا التكليف مرتبط بمبدإ الثواب والعقاب.

وهكذا فإن أية جزئية أو كلية تتعارض من كل الجوانب مع هذه الصورة أو مع هذه الثوابت ينبغي أن يعاد النظر فيها لبطلانها. ويكون قد دخل على الباحث فيها من غير أن يدري أفكار تتعارض مع الثوابت القرآنية أو قد يكون قد أخطأ فيها فبطريقة استنتاجه أو منهج بحثه. فوصل إلى نتائج خاطئة.

فالتعارض والاشتباه إذن ليس في النص نفسه وإنما في فهم بعض الناس للنصوص واجتزائهم لها. وقد نعى القرآن على الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض وعلى الذين جعلوا القرآن عضين واجزاء ..

القضاء والقدر · الصفحة ١٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ١٢٢