تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فثبت بهذا: أن كلام اللَّه تعالى، لو كان قديما، لكان كذبا. وأنتم ادعيتم أن كونه قديما، ينافي كونه كاذبا. فوجب أن يقال: إن كونه قديما، ينافي كونه كذبا. قالوا: الدليل عليه: هو أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، وكل من كان عالما بشيء، لم يمتنع أن يخبر في نفسه، عن ذلك الشيء بخبر صدق. فلو كان صدقه تعالى كذبا، لكان ذلك الكذب قديما، والقديم يمتنع زواله.

وإذا امتنع زوال الكذب، امتنع حصول الصدق. لأن اجتماع الضدين: محال. فثبت: أنه تعالى، لو كان كاذبا، لامتنع عليه أن يخبر عما علمه بخبر صدق، وقلنا: إن هذا الامتناع باطل، فثبت: أن كلام اللَّه صدق.

واعلم: أن هذا الكلام ضعيف. لأنا نقول: كما أن العالم بالشيء يمكنه أن يخبر في نفسه عما علمه بخبر صدق، فكذلك يمكنه أيضا أن يخبر عنه بخبر كذب، وكون الكلام القديم صدقا، يمنع من إمكان هذا الكذب. فإن منعوا هذا الإمكان في جانب الكذب، منعناه أيضا في جانب الصدق. ثم لئن سلمنا: أن الكلام القديم يجب كونه صدقا، إلا أنكم لما تمسكتم بذلك الكلام، القديم الأزلي المنزه عن أن يكون حرفا أو صوتا. وإنما تمسكتم بهذه الألفاظ المركبة المحدثة المسموعة. فهب أن ذلك الكلام القديم: صدق، إلا أن نقول: لم لا يجوز أن يقال:

إن هذه الألفاظ التي نسمعها، ونستدل بها في هذه المسألة، تكون كلها أكاذيب وأضاليل وأباطيل؟ فثبت: أنه وإن كان الكلام القديم صدقا، إلا أن ذلك لا ينفع في القطع بصحة مدلولات هذه الألفاظ التي نسمعها. وإن خلط أحد البابين بالآخر، إما جهل أو تجاهل.

الوجه الثاني في بيان أن القول بأن العبد غير موجد لأفعال نفسه، يمنع من الاعتراف بأن القرآن حجة. لو أن مدار التمسك بالقرآن، وبسائر الدلائل اللفظية على أصل واحد، وهو أن الأصل في الكلام: الحقيقة.

لا دليل لنا على صحة هذه المقدمة، إلا أن نقول: لو أراد المتكلم من كلامه غير حقيقته، مع أنه لم يدل على مراده ولم يبينه، لزم كونه جاهلا ساعيا في إيقاع التلبيس والتدليس أو نقول:

يلزم منه تكليف ما لا يطاق. إلا أنا نقول: من اعتقد أنه لا جهل ولا تلبيس ولا تدليس إلا وهو واقع بإيقاع اللَّه، وبإرادته. فمع هذا المذهب كيف يمكنه تقرير هذه المقدمة؟ وأما قوله:

القضاء والقدر · الصفحة ١٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

القضاء والقدرص ١٢٠