فتقريره من وجوه ثلاثة:
الأول: وهو الذي ذكروه المعتزلة. قالوا: إن طريقنا إلى إثبات الصانع. هو أن نقول:
أفعالنا إنما افتقرت إلينا، بسبب حدوثها. فإذا كان العالم محدثا، وجب افتقاره إلى الفاعل.
ومعلوم أن بناء هذا الدليل: على افتقار أفعالنا إلينا. فإذا لم نعتقد هذا الأصل، فقد انسد علينا طريق إثبات الصانع. هذا حاصل كلامهم.
وهذا ضعيف من وجهين:
الأول: إنا لا نسلم أن هذا الذي ذكرتم: دليل صحيح في إثبات الصانع. وذلك لأن فتقار الحادث إلى المؤثر. إما أن يكون معلوما، أو لا يكون. فإن كان معلوما، لزم من العلم يكون العالم محدثا: العلم بافتقاره إلى المؤثر، من غير حاجة إلى نفيه، على افتقارنا إلينا. وإن كان غير معلوم» لم يلزم من مشاهدة وقوع أفعالنا، عقيب تصورنا ودواعينا: وقوعها. لاحتمال أن تلك الأفعال وقعت عندها، لا بها، ولا بشيء آخر. بل حدثت على سبيل الاتفاق. فثبت:
أن ما ذكرتموه ليس دليلا صحيحا.
الثاني: هب أن ما ذكرتم دليل صحيح. إلا أنه لا يلزم من بطلان دليل واحد، بطلان القول بالمدلول. لاحتمال أن يثبت ذلك المدلول بدليل آخر.
الوجه الثاني: إن مذهب الجبرية: أن حصول الفعل عند مجموع القدرة والداعي:
واجب. وحصوله عند فقدان هذا المجموع: ممتنع. وهذا يقتضي كونه تعالى موجبا بالذات، لا فاعلا بالاختيار.
الوجه الثالث: إن مذهب الجبرية: أنه لا مؤثر في حدوث الممكنات إلا اللَّه، وإذا كان كذلك، كان تخصيص بعض الناس بخلق الكفر والمعصية فيه، والبعض الآخر بخلق الإيمان والطاعة. تخصيصا لا لمخصص.