(تولى): أعرض.
(الأعمى): عبد الله بن أم مكتوم، ﴿أم مكتوم﴾ أم أبيه، وأبوه: شريح بن مالك. أتَى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يدعو أشراف قريش إلى الإسلام، فقال: يارسول الله، علّمني ممّا علمك الله. وكرّر ذلك وهو لا يعلم تشاغله بالقوم فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه، فنزلت هذه الآيات. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمه بعدئذ ويقول (مرحباً بمن عاتبني فيه ربي) (1)
لم يكن مسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ابن أم مكتوم مسلكاً يرضاه الله تعالى، ولذلك نزلت تلك الآيات؛ لتصحّح له ولأمته من ورائه ذلك المسلك. ولو كانت عبوديته صلى الله عليه وسلم لله عبودية مطلقة لما كان منه إلا كلّ ما هو متوافق مع منهج الله ومراده، ولكن كرامته استوجبت تلبّسه بقدْر من أحوال الحالة البشرية ليكون متّصفاً بصفة الاستقلالية.
ولكن الله تعالى لم يتجاوزعن هذه الحالة؛ لأنه كتب على أهل الإسلام أن يقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في كل شؤونهم وأحوالهم، فأنزل قرآناً يتضمّن تصحيحاً لذلك الموقف، ليعلم المسلمون من خلاله المنهج الصواب عند الدعوة إلى الله تعالى، وقد حفظ صلى الله عليه وسلم الدرس، فكان يقبل بوجهه على كل إنسان حتى وإن كان أقل الناس شأناً وقدراً، بل إنه عرف لابن أم مكتوم فضله، فكان يدعوه أحياناً بقوله ﴿مرحباً بمن عاتبنى فيه ربي﴾ وجعله مع بلال في الأذان، بل إنه كان يستخلفه على المدينة للصلاة بالناس في عامّة غزواته.
5 - وجاء في الحديث النبوي
أن ثلاثة رجال استقلُّوا ما هم فيه من عبادة لله تعالى، فأراد أحدهم أن يصلي الليل أبداً، والآخر أن يصوم الدهر، والثالث أن لا يقرب النساء، فقال لهم صلى الله عليه وسلم:
(أما إني لأخشاكم لله وأتقاكم، ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني). البخاري.