تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أرض إذا طاولت هام جبالها

وإذا دخلت غياضها ورياضها

قالت تواضع أيها الإنسان

غنى الحمام وصفق الريحان

فيها مدرسة الحفظ لأن الحفظ هريري دوسي ، وهي إيوان الزهد لأن الزهد أويسي

هنا الشعر الفصيح ، والنسب الصريح ، والوجه المليح ، خطباء حفاظ ، يغار منهم سوق عكاظ ، لروعة تلك الألفاظ ، مع القمم همم ، ومع الشجاعة كرم ، لا تنكر أخلاقهم البديعة ، فكما قال ابن خلدون : الأخلاق تتبع الطبيعة . ذكرهم الهمداني في الإكليل ، فكان قلمه بالثناء يسيل .

بلادهم ديار الجود ، وعرين الأسود ، البخل عندهم ذنب لا يغفر ، وعدوهم بالثرى يعفر ، أريحية يهتز منها النسيم ، وحاتمية ينشأ عليها الفطيم ، مشاعر جياشة ، وأرواح هشاشة ، ووجوه بشاشة ، ماء البشر في صفحات الوجوه يترقرق ، ودم البطولات في شرايين الأبوة يتدفق ، إصرار على القيم ، وحفاظ على الشيم .

قلوب حشيت بالإيمان إلى الأعماق ، فليس بها مكان للكفر والنفاق .

ما دخلها فيلسوف ، لأن صوت القرآن بها يطوف ، وما حلها زنديق ، لأن أسد الرسالة في الطريق .

إذا كبر الأزدي في حومة الوغى

ويطربهم وقع الرماح فما لهم

أويسية دوسية عزماتهم

رأيت شجاعا سيدا وابن سيد

سماع لعود أو غناء لمعبد

كتائبهم تسعى لنصرة أحمد

عروبة صريحة صراحة اللبن المذاب ، والسنة فصيحة فصاحة الفجر الجذاب .

هم أعمام حسان ، وأخوال سحبان ، وأجداد غسان .

بديهتهم أسرع من الضوء إذا سرى ، وذاكرتهم أغزر من السيل إذا جرى، ما قطر للإلحاد في ديارهم قطرة ، لأنهم على الفطرة .

لو رأى جمال أرضهم كنفشيوس المسكين ، لما نظم قصيدة مرحبا يا بكين ، ولو أبصرها جوته شاعر الألمان ، لما أنشد إلياذة الحرمان :

فالطير يرسل للعشاق أغنية

في كل يوم لهم عيد بأرضهم

أرض إذا جئتها أهدتك زينتها

والغصن يعزف والأرواح في طرب

فالسحر والشعر بين الجد واللعب

حمالة الورد لا حمالة الحطب

مقامات القرني · الجزء ٥ · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مقامات القرنيج ٥ · ص ٤٥