تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال : أما سمعتم ابن المبارك ، وهو في الأدب شارك ، حيث يقول :

رأيت الذنوب تميت القلوب

وقد يورث الذل إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب

وخير لنفسك عصيانها

قلنا فماذا قال طبيب العيون ، فإنه ثقة مأمون ، قال سمعته ينشد :

وأنت متى أرسلت طرفك رائدا

لقلبك يوما أتعبتك المناظر

رأيت الذي لا كله أنت قادر

عليه ولا عن بعضه أنت صابر

قلنا فماذا قال طبيب الأذن ، قال دخلت عليه بلا إذن ، فسمعته ينشد :

لا تسمعن الخنا إن كنت ذا رشد

فالأذن نقالة والقلب حفاظ

وصن سمعاك عن لغو وعن رفث

قد تدخل الناس في النيران ألفاظ

قلنا فماذا قال طبيب الولادة ، فإنه ظاهر الإجادة ؟ قال :

ولدتك أمك باكيا مستصرخا

فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا

والناس حولك يضحكون سرورا

في يوم موتك ضاحكا مسرورا

قلنا : فماذا قال طبيب الباطنية ، فإنه طيب النية ، قال سمعته ينشد :

أكل الحرام يثير داء دائما

فكل الحلال فرزق ربك واسع

في البطن لا يدري به الجراح

إن الذي ترك الربا مرتاح

قلنا : فماذا قال طبيب العظام ، فإنه من الرجال العظام ، قال سمعته ينشد :

عظامك أنقذها ولحمك من لظى

وإياك إياك الحرام فإنه

جهنم فالأجسام تشوى وتحرق

تقطع أوصال به وتمزق

قلنا : فماذا قال الطبيب النفسي ، قال سمعته ينشد ، حين يصبح وحين يمسي :

يا نفس هل من توبة مقبولة

أو ما ترين الموت أشهر سيفه

ضاع الزمان وأنت في العصيان

كم راع يوم الروع من إنسان

قلنا : فمن أعظم طبيب ؟ قال : محمد الحبيب ، صاحب النهج العجيب ، والرأي المصيب ، قلنا : أوصنا بوصية ، لينة غير عصية ، فأنشد :

خذ ما أردت من العلاج فإنه

مات المداوي والمداوى والذي

لابد من موت يقطع ذا العرى

صنع الدواء وباعه ومن اشترى

AUTO المقامة التجارية PageV04P043

﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا ﴾

فصاحة سحبان وخط ابن مقلة

إذا اجتمعت في المرء والمرء مفلس

وحكمة لقمان وزهد ابن أدهم

ونودي عليه لا يباع بدرهم

قال أبو ريال ، دينار بن مثقال : لا تصدق من قال : أكثر التجار فجار ، فقد رأيت منهم قوما يتصدقون ، وفي سبيل الله ينفقون ، وعلى الفقراء يغدقون .

قلنا : يا أبا ريال ، يا خير الرجال ، فما للتجار يبنون ما لا يسكنون ، ويدخرون ما لا يأكلون ، ما لهم على ربهم لا يتوكلون ؟ قال : هذا من البطر ، والترف والأشر ، ومن فعل ذلك فهو على خطر :

ومن ينفق الساعات في جمع ماله

مخافة فقر فالذي فعل الفقر

قلنا : حدثنا عن التجار الصالحين ، والأغنياء المفلحين ، قال : يكفيك عثمان بن عفان ، أرضى بماله الرحمن ، وأرغم به الشيطان ، واشترى به الجنان ، جهز في غزوة تبوك الجنود ، وشرى بئر رومة من اليهود ، وله في سبيل الله مواقف وجهود .

ولا تنسوا عبد الرحمن بن عوف ، الذي جمع بين الرجاء والخوف ، جاءته قافلة من الشام ، تحمل الطعام ، فقسمها على الأيتام ، واشترى بذلك دار السلام .

قلنا : فقص علينا قصة التاجر الفاجر ، أمية بن خلف ، الذي جعل الله ماله للتلف .

قال يكفيكم : ويل لكل همزة لمزة ، الذي جمع مالا وعدده ، يحسب أن ماله أخلده

قلنا : فهل للتاجر الخاسر علامات ، وهل له سمات .

قال : إذا رأيته يأكل وحده ، ويمنع رفده ، ويمسك نقده ، ويغضب ممن يجلس عنده

قلنا : فلماذا بعض التجار ، يصاب بالضغط والسكر ، قال : لأنه في كل لحظة يفكر ، ولا يشكر ، ولا يذكر ، ومزاجه معكر ، وخاطره مكدر .

ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته

ما قاته وفضول العيش أشغال

أمراض التجار : فقر الدم ، وكثرة الهم ، ودوام الغم .

فأما فقر الدم : فمن قلة الغذاء ، لأنه مشغول عن الفطور والغداء ، غائب عن العشاء .

مقامات القرني · الجزء ٤ · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مقامات القرنيج ٤ · ص ٤٤