الموت هاذم اللذات ، ومفرق الجماعات ، ميتم البنين والبنات ، مخرب الديار العامرات ، أسقى النفوس ، مرارة الكؤوس ، وأنزل التيجان من على الرؤوس، نقل أهل القصور إلى القبور ، وسل على الأحياء سيفه المنشور ، ألصق الخدود باللحود ، وساوى بين السيد والمسود ، زار الرسل والأنبياء ، وأخذ الأذكياء والأغبياء ، فاجأ أهل الأفراح بالأتراح ، ونادى فيهم الرواح الرواح ، كم من وجه بكفه لطمه، وكم من رأس بفأسه حطمه ، يأخذ الطفل وفمه في ثدي أمه ، ويخنق النائم ورأسه على كمه ، ينزل الفارس من على ظهر الفرس ، ويقتلع الغارس وما غرس ، يخلع الوزير من الوزارة ، ويحط الأمير من الإمارة ، إذا اكتمل الشاب ، وماس في الثياب ، وصار قوي الجناب ، يرجى ويهاب، عفر أنفه في التراب ، يدوس ذا البأس الشديد ، والرأي السديد ، ويبطح كل بطل صنديد ، ولو كان خالد بن الوليد ، أو هارون الرشيد ، يسحب الملوك من العروش ، ويركب الجيوش على النعوش ، أسكت خطباء المنابر ، وأذهل حملة المحابر ، وشتت أهل الدفاتر ، وطرح الأحياء في المقابر ، كسر ظهور الأكاسره ، قصر آمال القياصره، زلزل أساس ساسان ، وما سلم منه سليمان ، وما نجا منه قحطان وعدنان، صبح ثمود وعاد ، وخرب دار شداد وما شاد ، وهدم إرم ذات العماد ، التي لم يخلق مثلها في البلاد، لا يترك السلاطين ، حتى يوسدهم الطين ، لا تظن أنك منه ناج ، ولو سكنت الأبراج .
الموت ينادي كل صباح : الرواح الرواح ، ويصيح كل مساء : يا حسرة على الأحياء ، ويقول للناس : لدوا للموت وابنوا للخراب ، فكلكم يصير إلى ذهاب ، يا من أعجبه شبابه ، وألهته ثيابه ، وأحاط به حرسه وحجابه ، أنسيت الموت وقد وصلك ركابه ، يا من أشغله السكن ، وحب الوطن ، وأمن المحن ، كأنك بالموت زارك ، وهدم دارك .
ستنقلك المنايا عن ديارك
فدود القبر في عينيك يرعى
ويبدلك البلا دارا بدارك
وترعى عين غيرك في ديارك