تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأهل جزيرة العرب ، يغلب عليهم الذكاء والأدب ، لصفاء سمائهم ، وطيب هوائهم ، وعذوبة مائهم ، ولذلك اختار الله منهم الأنبياء ، لأن طبيعة بلادهم في استواء ، واعتدال ونقاء ، فليس لهم خفة البلاد الحارة ، لأن أمزجتهم غير قارة ، فتجدهم أهل عجلة وطيش ، والطرب عندهم ألذ من العيش . وليس لأهل الجزيرة كثافة طبع الأوربيين، لأنك تراهم على المادة مربين ، فتعلقهم بالعالم المشهود ، مع إنكار العالم المفقود ، وشكهم في غير الموجود .

وللصفات الحيوانية ، أثر على الفصيلة الإنسانية ، فتجد أهل الإبل أهل كبر وخيلاء، وأهل الغنم أهل سكينة ووقار وحياء ، كما أخبر بذلك خاتم الأنبياء ، ومعاشرة السباع ، تؤثر في الطباع ، ومن خالط الوحوش توحش ، فتجده إذا أكل يهرش وينهش ، لأن الصاحب ساحب ، والطبع جاذب . يقول المصطفى : من بدا جفا ، وأهل المدن والحواضر أهل رقه ، وفي النظر أهل دقه ، والله أرسل من القرى الحاضرة ، رسله بالشرائع الطاهرة ، لأن أهل القرى الآهلة بالسكنى أصحاب تجربه ، وأذهان مدربه ، وآداب قويمة، وفطر في الغالب مستقيمة .

وانظر إلى أهل فارس الأعاجم ، لما سكنوا الريف واشتغلوا بالزراعة فكل عليها قائم ، صرفت أذهانهم عن التفكير ، وضعفت في جانب التدبير ، فلم يكن عندهم استعداد لفهم المنقول ، لعدم خصوبة العقول .

ولما جمح الروم إلى الخيال ، وأوغلوا في التصور حتى غابوا به عن الحال ، كثر فيهم الزيغ الفكري ، والضلال النظري ، لسابق ما عندهم من دين محرف ، وأثاره من علم متلقف . فاختير العرب للرسالة المحمدية ، لتمام الفطرة النقية ، ووفرة الأذهان الذكية .

مقامات القرني · الجزء ٤ · الصفحة ٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مقامات القرنيج ٤ · ص ٨٤