الفقه أغلى بضاعة في سوق العلوم ، وأشرف مواهب القوم ، فإنك تجد الفقيه محل الاعتبار ، ترمقه الأبصار ، ويعظمه ذوو الأخطار ، لأن حاجة الناس إلى الفقه شديدة ، ومجالس الفقهاء لكل الطبقات مفيدة ، وقد تجد الرجل في اللغة من الأعيان ، يشار إليه بالبنان ، وترى النحوي أصبح مرجعا في علمه ، جهبذا في فهمه ، وتبصر الشاعر بشعره الرائع يخلب لب السامع ، وتشاهد الخطيب ، يستولي على القلوب ، ويأتي بالقول المحبوب ، غير أن الفقيه الرباني ، يجمع محاسن المعاني ، ويبلغ بهمته الأماني ، وقد بز الكل ، وارتقى المحل الأجل ، لعظيم حاجة الناس إليه ، وتزاحمهم عليه ، وقد عرفت بالتجربة ، أن الفقه أجل موهبة ، إذا قرن بالدليل ، وبني على التأصيل ، فإني رأيت الفقيه إماما ، وفي كل جمع مقداما ، وحضرت اجتماعات ، وندوات ، ومحاضرات وأمسيات ، فإذا الفقه أعظم مطلوب ، وأجل موهوب ، فالفقهاء يسألون في أعضل المسائل ، وتفد لهم من الأقطار الرسائل ، والكل ينصت للفقيه بما يقرره ويمليه ، فالجميع يصحح على الفقيه عبادته ، والسلطان يقوي بالفقهاء سيادته ، ولو لحن في الخطاب ، وأبطأ في الجواب ، ولو قصر في التأريخ لما قابلوه بالتوبيخ ، لكن من قصر في الأحكام ، قوبل بالملام من كافة الأنام ، فالعلم ما دل على الرب ، وصلح به القلب ، وهجر به الذنب ، وما سواه فليس بذي بال ، ولو تشدق به الرجال ، وقد عرفنا من درس الفقه سنوات ، فصار به من السادات ، وعرفنا من أفنى عمره في بعض الفنون ، وهو في خانة النسيان مدفون ، لم يستفد منه أحد ، ولم يعرفه أهل البلد ، والسبب في اهتمام البشر ، بفقه الأثر ، لأن علم الكتاب والسنة ، أقرب طريق إلى الجنة ، فبهذا عظم قدر فقهاء الإسلام ، على مر الأيام ، فهم طائفة الموقعين ، عن رب العالمين ، وهم سرج الظلماء ، وغيث السماء .
مقامات القرني · الجزء ٤ · الصفحة ٨٢
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مقامات القرنيج ٤ · ص ٨٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي