تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المشكلة الاجتماعية:

وأيضا فإن المهاجرين يواجهون مجتمعا جديدا يختلف عن مجتمعهم، وهم تركوا أهليهم وأقاربهم وابتعدوا من معارفهم وأصدقائهم، وفارقوا أولادهم وأزواجهم، ولكن هوّن عليهم هذا الأمر ما لمسوه من حب صادق من الأنصار لهم، وإيثار لهم على أنفسهم كما ذكر القرآن الكريم في قوله تعالى: [وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] (1)

المشكلة السياسية:

وكان أعداء الإسلام داخل المدينة وخارجها في يقظة تامة، يحيكون شبكة المؤامرة والمكيدة ضد الدين الجديد والنشء الباكر والمجتمع الطاهر بكرة وأصيلا، ويتربصون بالمسلمين الدوائر ويعدون العدد للانتقاض عليهم، ويترصدون الفرص لاستئصال جذور الإسلام وتقويض بنيانه، فالكفار واليهود من سكان المدينة وقريش من مكة هم ألد أعداء الإسلام كلما سنحت فرصة للإضرار بالإسلام وأهله، وحيث وجدوا منفذا إلى المكيدة والمكر والمخادعة سارعوا إليه، وقلوبهم مكتظة بالإحن والضغائن ومفعمة بالنفور والكراهية للإسلام والمسلمين، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر. (2)

هذا وقد اشتد افتقار المسلمين إلى حلّ سريع وعلاج مثمر لهذه المشاكل والمآزق والأزمات ريثما يستعيدون المقدرة المالية والاجتماعية ويعدون قوة شديدة البأس قوية الشكيمة حتى يتمكنوا من إنشاء المجتمع المنشود والدولة الناشئة ودحر الباطل وهزم أعداء الحق، والإجهاز على جرائم الكفر والشرك والإلحاد. فكانت المؤاخاة حلا ملائما كفيلا برفع مستوى المعيشة للمهاجرين وإنعاش الاقتصاد المتداع وإيوائهم وتوفير الملاجئ لهم.

كما استعان بها المهاجرون على وحشتهم وغربتهم حيث آنسهم إخوانهم من الأنصار، ورافقوهم وسلت قلوبهم بهم عن أقاربهم وأزواجهم. وارتاحوا لصحبتهم ومجالستهم ومخالطتهم ورفوا لمكالمتهم ومحادثتهم، وشعروا بالهدوء والسعادة. وهكذا أصبح بذلك المسلمون وحدة متماسكة هزت كيان المجتمع الملحد وعنت لها أكبر قوات العالم قوّتا الفرس والروم، وقويت بهم عصبتهم، هابهم القريب والبعيد.

قال الإمام السهيلي رحمه الله: آخي رسول الله صلي الله عليه وسلم بين أصحابه حين نزلوا المدينة ليذهب عنهم وحشة الغربة ويؤنسهم من مفارقة الأهل والعشيرة ويشد بعضهم ببعض. (3)

الدافع الحقيقي وراء المؤاخاة:

وحرىّ بالتنبيه أن الدافع الحقيقي خلف كل ما أشير إليه هو تحقيق الأخوة الإسلامية المتفرع عنها المؤاخاة وهي التي تسير النشاط والحرارة في عروق المسلم الغيور وتهيج الرغبة في قلبه، وتيسر عليه التضحية بالنفس والمال والإيثار وتجشم عناء التكاليف الباهظة وتكبد المشاق والمتاعب دون نظر إلى اكتساب مغنم من الأنصار، فإن من هاجر من المسلمين لم تكن هجرته إلى دنيا يصيبها، بل كانت هجرتهم لله ورسوله صلي الله عليه وسلم.

وأما المؤاخاة فغايتها تأكيد هذه الأخوة الإسلامية وتجديدها وتطويرها، ومن ثم فإنه لما استقر أمر المهاجرين وتمكن الإسلام في المدينة، غدت الروح الإسلامية هي وحدها العصب الطبعي للمجتمع الجديد وألغى التوارث وغيره من الحقوق الخاصة، وهذا الإلغاء يؤكد أن مناط الأخوة ومرجعها رابطة الإسلام بيد أنها تحتاج إلى تدرج وإلى تطور في الفهم والتطبيق وكانت ولا تزال تفتقر إلى التجديد والتعميق.

أستاذ الحديث والفقه بالجامعة الإسلامية العبيدية نانوفور، وخريج الجامعة الإسلامية فتية

__________

(1) الحشر:9

(2) الرحيق المختوم: 153-158

(3) الروض الأنف: 2 / 252

هذا بلاغ للناس - بلاغ الشرق · الصفحة ١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

هذا بلاغ للناس - بلاغ الشرقص ١٦