الصواب في حكم تارك الصلاة
والصواب في هذه المسألة أن نقول: إن تارك الصلاة بالكلية كافر كفراً أكبر، وإذا ترك بعضاً وصلى بعضاً فنقول: إنه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب ولكنه ليس بكافر؛ للحديث الذي رواه الإمام أحمد كما تقدم, وبهذا نفسر الألفاظ التي ترد عن بعض الأئمة في هذا. ولا أعلم أحداً من الصحابة ولا من التابعين قال بعدم كفر تارك الصلاة إلا ابن شهاب الزهري فهو أول من قال بهذا, رواه محمد بن نصر المروزي عن إبراهيم عن ابن شهاب الزهري أنه سئل عن رجل ترك الصلاة, فقال: إن كان تركها يريد أن يبتدع ديناً فهو كافر, وإن كان تركها تهاوناً فيزجر ويؤدب, وهذه إشارة منه إلى أنه يفرق بين التارك جحوداً وبين التارك كسلاً وتهاوناً, ولا أعلم من سبقه إلى هذا التفصيل, ومعلوم أن ابن شهاب الزهري هو من أئمة المدينة وهو من أواخر طبقة التابعين, ولم يكد يدرك كبير أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وله رواية عن أنس بن مالك عليه رضي الله عنه.
وجوب البيان عند خوف التلبيس
وقول الله جل وعلا: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43] , هذا إنما ذكر الله عز وجل الأمر بالركوع دفعاً للتوهم الذي يظنه اليهود أن الصلاة التي أمروا بها هي الصلاة اليهودية التي فرضت عليهم وهي بقيام مجرد, فيدفعهم ذلك إلى شيء من التلبيس والتدليس أن القرآن جاء تأييداً لما هم عليه. وفي هذا إشارة إلى وجوب بيان العالم عند ظن التلبيس في قوله, وأن من يسمعه سيحمل قوله على بعض المعاني المخصوصة، فيحرم عليه عدم التفصيل ويجب عليه البيان, ولهذا حينما قال الله عز وجل: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] , عطف عليها قوله جل وعلا: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43] , أي: مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم وليست الصلاة التي تريدون.