تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد عرفة

-----------------

<span class="footnote">

الإصلاح الحقيقي

والواجب للأزهر والمعاهد الدينية

[*]

إن الأمة المصرية كسائر أمم الشرق جماعة دينية جمعها الدين ووحد بينها،

وبنيت أخلاقها وحضارتها عليه.

وقد تغلغل الدين في جميع شؤونها، فنظم سلوك الرجل في منزله، وسلوك

المدنيين بعضهم مع بعض، وسلوك الملك مع رعيته والرعايا مع ملوكهم.

فلو قد سألت مصريا: لماذا تصدق في قولك، وتتوخى العدل في حكمك

وتؤدي الأمانة إذا اؤتمنت؟ ولماذا لا تأتي الفحشاء والمنكر، ولا تكذب، ولا تجور،

ولا تخون؟ لأجابك بأن الله أمر بالأولى ونهى عن الثانية، وإذا كان عالما أو

متعلما؛ تلا عليك الآيات والأحاديث الدالة على ذلك مثل آية {إن الله يأمر بالعدل

والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} (النحل: 90) ,

ومثل حديث (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب , وإذا وعد أخلف , وإذا اؤتمن

خان) ، فإذا لم تقو الروح الدينية في نفوس المصريين أو ضعف الدين عندهم؛

انهارت هذه الفضائل لأنه الأساس لها عندهم، وقد بنيت عليه فتتداعى وتتصدع

بانصداع الأساس، وكذلك إذا شوه بإدخال البدع والخرافات عليه فسدت الأمة

وضعف أمرها.

وإذا قوي الدين، واستحكمت عقيدته فيهم، وبقي بمنجاة من الزوائد والبدع؛

صلحت الأمة وقوي أمرها، لذلك كان حتما مقضيا على أولي الأمر في مصر أن

يعنوا بأمر الدين ويتعهدوه؛ مخافة أن تضعف العقيدة في نفوس الأمة , أو تطرأ

البدع والمحدثات عليه؛ فتشوه جماله , ولا يكون في الأمة أداة عز ومنعة.

ولما كان الأزهر والمعاهد الدينية هي معقل الدين في مصر , والمنبع الذي

يتخرج منه رجاله؛ وجب أن يعنى بها , وأن تتعهد بالقيام عليها وإصلاحها.

لذلك كان المصلحون الأولون: الشيخ جمال الدين الأفغاني والأستاذ الإمام

وغيرهما يولون وجوههم قبل الأزهر، ويرجون صلاح الأمة بصلاحه، ورقيها

برقيه.

ولكن الأزهر أبى على المصلحين , وامتنع عليهم من الإصلاح، والسبب في

إبائه أن الأزهريين لم يكونوا قد اطلعوا إلا على علومهم في كتبهم التي تدرس في

الأزهر، ولم تكن قد أخرجت لهم المطابع من كتب السلف , ولا نتائج قرائح الأمم

فما كانوا يرون وراء علمهم علما، ولا غير تعليمهم تعليما، ويعتقدون أن كل يد

تمتد إليهم فإنما تمتد بالمسخ والتشويه والإفساد.

تلك كانت العقيدة السائدة، ليس غير الأزهر معهدا , وليس غير ما فيه من

علوم علما , ولا غير الأزهريين علماء، لذلك أبى ما كان يريده منه المصلحون،

فاضطروا إلى إنشاء مدارس يراد منها ما كان يراد منه، فعلوا ذلك وهم يعلمون أنه

لا يجدي إلا قليلا، لأن الأزهر لما له من المكانة الدينية والتاريخية في الأمة هو

المسموع الكلمة , والنافذ الرأي فيها , والمعلم الموثوق به عندها في شأن الدين،

فعقيدتها عقيدته، وآراؤها في الحياة والاجتماع آراؤه، وإن هذه المدارس التي تنشأ

بجانبه ليست لها هذه المنزلة فلا تؤثر الأثر المطلوب، ولكنهم فعلوا ذلك ريثما

يفيء إليهم ليكون الإصلاح به تاما وشاملا.

هذا شأن الأزهر في الماضي البعيد , أما بعد ذلك فقد أذعن للإصلاح لأنه قد

اتسع أفقه بما خرجته له المطابع من كتب السلف ومن علوم الشعوب فعلم أن وراء

علمه علما، وأن وراء كتبه كتبا، لأنه رأى أبناءه يعزلون عن الحياة لأنهم لا

يتسلحون بأسلحتها الجديدة، لكن ذلك الإصلاح كان كذلك الإصلاح الذي بنيت عليه

مدرسة دار العلوم ومدرسة القضاء الشرعي في الشكل والعرض لا في الصميم

والجوهر.

لقد اقتصر الإصلاح في مدرسة دار العلوم ومدرسة القضاء الشرعي والمعاهد

الدينية إلى الآن على إدخال بعض علوم جديدة واختصار بعض الكتب وترتيبها

وتبويبها.

وأما العلوم نفسها فقد بقيت كما كانت لم تمتد إليها يد بتغيير ولا تبديل , وربما

كان ذلك الإصلاح خيرا في ذلك الزمن ليتقى به الطفرة , ولأنه كان ملائما لحاجة

ذلك العصر.

أما الآن وقد تطورت الأمة وتغير الزمن وتطلبت أساليب الحياة الجديدة أنماطا

من التعليم جديدة فمن الواجب لمصلحة مصر والعالم الإسلامي أن يكون الإصلاح

في موضوع العلوم وجوهرها , وأن يتناول ما في الكتب نفسها ومسميات العلوم

فربما يغير مسمى العلم نفسه , ولا يبقي منه إلا اسما يدل على مسمى آخر ليس بينه

وبين المسمى الأول إلا الاشتراك في الاسم.

يجب أن يكون الإصلاح أبعد في الوهم وأقصى في الأمد من تلك القشور التي

يقترحها المقترحون والتي وقف عندها المصلحون إلى الآن.

ومنذ صدر القانون بتنظيم سلطة صاحب الجلالة الملك على المعاهد الدينية ,

وأصبحت تابعة لرئيس مجلس الوزراء وأصبح مسؤولا عنها أمام مجلس النواب،

أبدى مجلس النواب غير مرة رغبته في إصلاح الأزهر والمعاهد الدينية , وقد أبدت

لجنة الأوقاف والمعاهد في تقرير ميزانية الأزهر تلك الرغبة أيضا وتقدمت إلى

الحكومة أن تؤلف لجنة يكون فيها جماعة من النواب لوضع الإصلاح المنشود ليقدم

إلى البرلمان في الدورة المقبلة - ولما كنت قد درست الأزهر والمعاهد الدينية مدة

ربع قرن , وبحثت عن عللها وأمراضها بحثا مستفيضا؛ فعلمت داءها الدوي

ودواءها الناجع , وكنت أتربص الوقت الذي تتجه فيه نيات أولي الأمر إلى إصلاح

الأزهر والمعاهد الدينية إصلاحا جديا , ورأيت الفرصة قد سنحت الآن لإظهار

أولي الأمر رغباتهم في ذلك الإصلاح , وفي تعيين لجنة لوضعه أردت أن أعرض

على أولي الأمر إجمال الإصلاح الذي رأيته بعد جهود بذلتها، ومشقات عانيتها،

وأن أضع بين أيديهم القواعد الكلية التي ينبني عليها ذلك الإصلاح، فإن رأوا فيه

غناءا ورأوه جديرا بأن يرضي حاجات الأمة التواقة إلى النهوض من إصلاح

الأزهر فصلت ما أجملته وأوضحت ما اختصرته وشرحته شرحا وافيا مبينا.

وسأقصر بحثي هنا على الإصلاح العلمي، أما الإصلاح الإداري فقد تركته

لمن هم أمس به مني.

وها أنذا آخذ في إجمال الإصلاح الذي أراه:

هذا الإصلاح الذي نقترحه على أولي الأمر ونجمله هنا , ونأخذ على عاتقنا

بسط القول فيه وتنفيذه قد نظر إلى تطورات العلوم فرآها في طور عظمتها

وارتفاعها , ورآها في طور ضعفها وإسفافها.

رآها حين كانت مصاحبة لقوم أعزة فقويت بقوتهم، وحينما صارت مع قوم

آخرين أذهانهم كالمملحة لا يقع فيها شيء إلا أحالته ملحا فضعفت بضعفهم، فيبعث

العلم الحي في طوره الحي من مرقده، ويرمس تلك الرسوم الميتة البالية التي هي

حثالة الأذهان الجامدة ونخالة الأفكار المتبلدة.

هذا الإصلاح خبير وجريء وحكيم: أما خبرته فلأنه ساير الدين في

أطواره المختلفة فرآه وهو في جدته ونضرته في الصدر الأول حينما كان مبعث

العظمة والمجد والسعادة لمن يدينون به، ورآه وقد أدخلت عليه البدع وغير فيه

كثير من رسومه وتواضع الناس على رسوم وأوضاع أدخلوها في الدين على أنها

من الدين، ونظر إلى تاريخ العقائد والنحل المختلفة والفرق الإسلامية المتباينة

ورأى ما عند بعضها من حق ونافع، وباطل وضار.

وأما أنه جرئ فلأنه سيعم إلى تلك الأوضاع والزوائد والبدع والخرافات التي

حشرت في الدين وليست منه ويزلزلها من قواعدها ويهدم شامخها ويحل محلها تلك

المبادئ العلوية السامية، ويعود بالدين إلى عهد السابقين الأولين، فيضحي كما كان

نورا وسعادة ورحمة للعالمين، ويأخذ من الفرق الإسلامية أيا كانت حقها ونافعها،

وينفي باطلها وضارها

وأما إنه حكيم فلأنه لا يغير فجأة وقسرا واستبدادا، وإنما يغير تدريجا، ولا

يغير شيئا إلا بعد أن تقوم الحجة على صحته ووجوبه وقبول الجمهرة له، فإن

الإصلاح بالرفق والأناة خير وأجدى منه بالعنف والشدة , وأدعى إلى الطمأنينة

والسلام.

وبذلك تصبح مصر الإمام المقتدى به في الشرق والمعلمة للثقافة الإسلامية.

وسيكون الإصلاح مبنيا على قاعدتين: أولاهما أن العلوم لم يفرغ من تمامها ,

ولم تبلغ الكمال المرجو لها، وإنما هي سائرة نحو التطور والكمال أمامها لا وراءها،

ثانيتهما أن الأخلاق والشرائع والأديان والعقائد والعلوم وكل ما في الكون جعلت

لمصلحة البشر وسعادته وعظمة الإنسانية وعزتها.

هذا الإصلاح ليس إصلاحا للمعاهد الدينية فحسب , وإنما هو انقلاب اجتماعي

خطير له فائدته وخطره في الحياة الاجتماعية المصرية خصوصا، والحياة

الإسلامية عموما. ذاك أنه نظر إلى أمم الشرق وإلى أمم الغرب فوجد الأولى أمما

اتكالية، ووجد الثانية أمما استقلالية.

وجد الأولى وانية قليلة الأمل في الحياة ترضى بالدون , ووجد الثانية بعيدة

الأمل لا ترضى من الغايات إلا أبعدها منالا، وأشرفها مقصدا.

وجد الأولى أمما مكسالا تألف الدعة والراحة , وقد أشربت نفوسها شيئا من

معاني اليأس والقنوط، فهي نائمة تغط غطيطا لا تكاد تصحو أو تفيق , وأما الثانية

فهي أمم ذات عزائم وذات جلد، تألف التعب والجهد، وهي آملة متطلعة تبسم

للحياة وتبسم الحياة لها , وبحث في علة ما في الشرق من أمراض؛ فوجد من

بعض أسبابها تلك العقائد والآراء التي أدخلتها الفرق المختلفة من المتصوفة وغيرهم

على الإسلام وليست منه فتأصلت في نفوس الشرقيين , وآتت أكلها الخبيث

المستوخم , فذلك الإصلاح سيجتث هذه العقائد الباطلة من الأمة ويحل محلها العقائد

الإسلامية الصحيحة التي تدعو إلى الجد والعمل والمثابرة والجهاد في هذه الحياة ,

وسيعد الأزهريين ليكونوا عونا على ذلك، فهم معقد الأمل لهذه المهمة ومناط الرجاء ,

وسأمثل لبعض هذه الآراء ليعلم الناس أي خير يحل بالأمة، وأي شر يرفع عنها،

وأي بركة تنزل، وأي وباء يزول، إذا أدخل هذا الإصلاح.

من هذه الآراء ما أدخله المتصوفة من أن التوكل على الله ينافي الادخار

والكسب، والأخذ في الأسباب، وينافي التداوي، ولن يكون المتوكل متوكلا حقا

حتى يقطع الأسباب، وأن التوكل ينافي التدبير والاحتياط والاحتراز، وكأنه هو

إهمال العواقب، وإطراح التحفظ، ويروون لتثبيت ذلك ما قاله أبو سليمان الداراني

وهو: لو توكلنا على الله تعالى ما بنينا الحيطان , ولا جعلنا لباب الدار غلقا مخافة

اللصوص.

ويروون أن أبا يعقوب الزيات سئل عن مسألة في التوكل فأخرج درهما كان

عنده ثم أجاب فأعطى التوكل حقه، ثم قال: استحييت أن أجيبك وعندي شيء،

ويروون عن ذي النون المصري أنه قال: سافرت وما صح لي التوكل إلا وقتا

واحدا: ركبت البحر فكسر المركب , فتعلقت بخشبة , فقالت لي نفسي: إن حكم

الله عليك بالغرق فما تنفعك هذه الخشبة , فخليت الخشبة , فطفت على الماء فوقعت

على الساحل.

وهذه العقيدة تنافي الدين والعقل ومذلة للأمم: أما مخالفتها الدين فلأن الدين

يقول: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ (الأنفال: 60) , ويقول: {فإذا

قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} (الجمعة: 10) ,

ويقول: ﴿خذوا حذركم﴾ (النساء: 71) , ويقول: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ (آل عمران: 159) , وقد ظاهر النبي صلى الله عليه وسلم بين درعين.

وأما مخالفتها العقل فلأن العقلاء ما زالوا يوصون بالادخار وكسب المال والأخذ

في الأسباب، ويقولون: لا عقل كالتدبير , ويطلبون أن ينظر المرء في الأمور

ببصر , وينفذ البصر بالعزم بعد التثبت في مواضع الرجاء والخوف.

وأما أنها مذلة للأمة فلأنها تدعوها إلى الإخلاد والعجز والتواني وطرح

الأسباب فتضعف وتهن ويستولي عليها الأقوياء المستعدون المحتاطون الذين عرفوا

الأسباب واستعملوها , ولم يهملوها.

هذه العقيدة توارثها الأحفاد عن الآباء , وذاعت في الأمة ذيوعا عظيما حتى

نطقت بها أشعارهم، ودارت في أمثالهم، وسيعنى الإصلاح بتطهير الأمة منها ,

ومن أمثالها , فليست هي الأولى والأخيرة، وإنما هناك عقائد أخرى لها ما لهذه من

الضرر وإنما سبيلنا هنا أن نمثل ولا نستقصي.

إن الغاية التي يرمي إليها ذلك الإصلاح ويسعى لتحقيقها وتبيين الأسباب

لإدراكها هي:

أولا: تخريج قضاة مجتهدين , أو على الأقل متبعين يتبعون المجتهد بعد قيام

الدليل عندهم على صحة قوله , فيحكم القاضي عن اجتهاد أو اتباع لا عن تقليد كما

هو الآن، لأنه قد اتفقت كلمة الأولين على منع حكم المقلد , وفساد التقليد في الحكم

والإفتاء، وقالوا: إن التقليد مرتبة العوام لا من نصب نفسه للقضاء والفتيا، وقالوا:

لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد.

ثانيا: تخريج معلمين ذوي كفاية لتعليم اللغة العربية والدين , والاجتهاد في أن

يكون معلم الدين متحليا بمكارمه، واقفا عند منهياته، متبعا أوامره، ليقتدى به

وتحسن الأسوة، وأن يكون معلم اللغة العربية قد اكتسب ملكة الخطابة والكتابة

باللغة العربية البليغة ليكسب تلاميذه هذه الملكة بمحادثته إياهم ومحاورته لهم،

ويكون تعليمهم اللغة عمليا وعلميا لا علميا فقط، وبتوالي الزمن على ذلك ترقى لغة

التكلم إلى لغة الكتابة فيسهل انتفاع العامة من لغة الكتابة.

ثالثا: تخريج وعاظ ومرشدين عارفين بسياسة المدينة والمنزل وما به تسعد

المدينة والمنزل، وبطباع الجمهور، عارفين بوسائل الإقناع قادرين على الإقناع

فيما فيه سعادة المدنيين، فيضبطوا المدنيين بالأقاويل الخطابية , ويحملوهم على ما

فيه سعادتهم وأمانهم - لا كما هم الآن يقلدون في الخطابة فيأتون بخطب قيلت في

عصور التأخر والانحطاط ليس لها غرض إلا التزهيد في الدنيا والكف عن الجهاد

فيها.

رابعا: جعل رجال الدين مسؤولين عن الحياة الخلقية في مصر فكما أن

مصلحة الصحة مسؤولة عن صحة أجسام من في مصر كذلك رجال الدين مسئولون

عن صحة أخلاقهم والقيام عليها، فيعدون لأن ينشروا في الأمة قوة الإرادة وصحة

العزم وحب الوطن والإيثار والتعاون والتضامن وتفهيم المصريين أنهم كشخص

معنوي , كل عضو يعمل لمصلحة الجميع , وألم العضو ألم للجميع , وأن يكافحوا

الرذيلة الفاتكة بالمجتمع من الحسد والتباغض وانحطاط الهمم وضعف الإرادة وحب

الذات دون الصالح العام، وأخيرا هم مسؤولون عن ذلك العامل المسكين الذي

يكسب ما يكسب بعرق الجبين فينفقه في الكوكايين والأفيون والحشيش والخمر وتلك

السموم الضارة والمهلكة.

إنه سيغرس في الأزهريين حب الإنسانية والمجتمع والتضحية بذواتهم لأجل

سعادة المجتمع , وبث الفضيلة فيه , وتنقيته من الرذيلة , وسيقض مضاجعهم

الشوق إلى نجاة المصابين من أمتهم بتلك الأمراض القتالة والسموم المهلكة من

الخمر والميسر والمخدرات , وسيقدمون إليهم الدواء الناجع إن جاءوا إليهم فإن لم

يجيئوا ذهبوا هم إليهم، وطرقوا عليهم أبوابهم وأماكن لهوهم ليقدموا إليهم الإصلاح.

وإنهم بذلك ليكونون منتجين في أمتهم إنتاجا لا تنتجه أية طائفة من الطوائف،

ويقدمون لمجتمعهم يدا لا يقوم بشكرها , فأين منهم حينئذ الأطباء.

إن الأطباء يصحون الأجسام أما هؤلاء فيبنون الأخلاق [1] في الأمة ويقومون

على تربية نفوسها، وليست الأمم إلا بأخلاقها.

فبالأخلاق تحكم أمة أمة أخرى , وتسخرها كما تسخر الناس الأنعام والدواب ,

وهذا الإنتاج الذي لا إنتاج بعده , وكلما تقدمت الأمة ورقيت وعلمت قيمة الأخلاق

في الوجود؛ عرفت لهم قيمتهم وفضلهم.

خامسا: تسليح رجال الدين بالعلم الحق ليتمكنوا من تطهير أمتهم من العقائد

التي ورثها الناس عمن تقدمهم والتي هي تخالف الدين , وفي الوقت نفسه قاتلة

للأمة مضعفة لأخلاقها , وأكبر الظن أنها كانت أكبر عامل على ضعف الشرق

وانحطاطه وارتكاسه في تلك الهوة التي يتخبط فيها الآن.

سادسا: إطلاق العقول من أسر التقليد إلى فضاء الحرية في الفكر

والاستنباط , وتعليمها صناعة الإنتاج العقلي , وخلق حركة علمية ابتكارية في

علوم الأخلاق والاجتماع والدين واللغة والعلوم الفلسفية كالتي كانت في أزهى

العصور السابقة كعصر المأمون.

هذا إصلاح نتيجة درس ربع قرن خمس وعشرين سنة مع الأناة والتثبت

ودقة الملاحظة والاستقلال في الرأي والحرية في الفكر , هذا علم لا يعلمه إلا من

توافر عليه وتهيأت له أسبابه.

إن أولي الأمر إذا أرادوا إصلاحها كهذا فإنه يقتضيهم ما شاء الله من زمن وما

شاء الله من جهود وقوى، ولعلهم بعد ذلك ينقطعون دونه.

إن في أعناقنا لأمتنا أمانة ثقيلة هي بعثها ببعث أسباب الحياة والمجد فيها.

وقد حملنا القدر هذه الأمانة بما علمنا من أسباب ضعفها , والأسباب التي تحيا

عليها , وإن ظهورنا لتنوء تحتها , ولا نكاد نستقل، فهل لأولي الأمر أن يعينونا

حتى نستقل بها ونؤديها كما وجبت،

محمد عرفة - أستاذ بمعهد الإسكندرية

(المنار)

يوافق الأستاذ إلى هذه الأصول الإصلاحية , وقد أكثر من الكتابة فيها بعد أن

أشرنا إليها في مقاصد المنار , وموضوع دعوته في فاتحة العدد الأول الذي صدر في

شوال سنة 1315.

-----------------

<span class="footnote">

(*) للأستاذ الشهير صاحب الإمضاء.

(1) المنار: وكذا الصحة البدنية فإن من يتبع هداية الدين في حظر المسكرات والمخدرات والفواحش وفي الطهارة للبدن والثوب والمكان وأشباه ذلك قلما يصابون بالأمراض ويحتاجون إلى الأطباء، فاتباع الدين أعظم واق من الأمراض قبل وقوعها.</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٨ · الصفحة ٧٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٨ · ص ٧٥٨