تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما خالف السلف من تلك النظريات بأدلة من جنسها هي أقوى منها، وأثبت

بالبرهان أن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول، ويتضمن هذا إثبات أن

هذا الدين من عند الله؛ إذ لو كان من عند الرسول أو غيره لترقى بأبحاث المتكلمين

والفلاسفة، وكان المتأخر أصح رأيا فيه من المتقدم.

وقد استوفى الرد على أولئك المخالفين للسلف من المنتسبين إلى مذاهب السنة

والمبتدعة والفلاسفة في كتابه (موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول) ، وإنني

أنقل منه هنا ما ختم به الوجه السابع من الوجوه التي تكلم فيها على تقديمهم العقل

على النقل عند التعارض وهو:

***

تفنيد ابن تيمية لقول المتكلمين بتقديم النظريات

العقلية على النصوص السمعية

والمقصود هنا التنبيه على أنه لو سوغ للناظرين أن يعرضوا عن كتاب الله

تعالى ويعارضوه بآرائهم ومعقولاتهم لم يكن هناك أمر مضبوط يحصل لهم به علم

ولا هدى، فإن الذين سلكوا هذه السبيل كلهم يخبر عن نفسه بما يوجب حيرته

وشكه، والمسلمون يشهدون عليه بذلك، فثبت بشهادته وإقراره على نفسه وشهادة

المسلمين الذين هم شهداء الله في الأرض أنه لم يظفر من أعرض عن الكتاب

وعارضه بما يناقضه بيقين يطمئن إليه ولا معرفة يسكن بها قلبه، والذين ادعوا في

بعض المسائل أن لهم معقولا صريحا يناقض الكتاب قابلهم آخرون من ذوي

المعقولات، فقالوا: إن قول هؤلاء معلوم بطلانه بصريح المعقول، فصار ما يدعى

معارضة للكتاب من المعقول ليس فيه ما يجزم بأنه معقول صحيح إما بشهادة

أصحابه عليه وشهادة الأمة، وإما بظهور تناقضهم ظهورا لا ارتياب فيه، وإما

لمعارضة آخرين من أهل هذه المعقولات لهم، بل من تدبر ما يعارضون به الشرع

من العقليات وجد ذلك مما يعلم بالعقل الصريح بطلانه، والناس إذا تنازعوا في

المعقول لم يكن قول طائفة لها مذهب حجة على أخرى، بل يرجع في ذلك إلى

الفطر السليمة التي لم تتغير باعتقاد يغير فطرتها ولا هوى، فامتنع حينئذ أن يعتمد

على ما يعارض الكتاب من الأقوال التي يسمونها معقولات، وإن كان ذلك قد قالته

طائفة كبيرة لمخالفة طائفة كبيرة لها، ولم يبق إلا أن يقال: إن كل إنسان له عقل

فيعتمد على عقل نفسه، وما وجده معارضا لأقوال الرسول - صلى الله عليه وسلم -

من رأيه خالفه، وقدم رأيه على نصوص الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم -

ومعلوم أن هذا أكثر ضلالا واضطرابا، فإذا كان فحول النظر وأساطين الفلسفة

الذين بلغوا في الذكاء والنظر إلى الغاية، وهم ليلهم ونهارهم يكدحون في معرفة

هذه العقليات، ثم لم يصلوا فيها إلى معقول صريح يناقض الكتاب، بل إما إلى

حيرة وارتياب، وإما إلى اختلاف بين الأحزاب، فكيف غير هؤلاء ممن لم يبلغ

مبلغهم في الذهن والذكاء ومعرفة ما سلكوه من العقليات.

فهذا وأمثاله مما يبين أن من أعرض عن الكتاب وعارضه بما يناقضه لم

يعارضه إلا بما هو جهل بسيط أو جهل مركب، فالأول: {كسراب بقيعة يحسبه

الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع

الحساب} (النور: 39) ، والثاني: {كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من

فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها

ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} (النور: 40) ، وأصحاب القرآن

والإيمان في نور على نور قال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما

كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا

وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السموات وما في

الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} (الشورى: 52-53) ، وقال تعالى: {الله

نور السموات والأرض مثل نوره} (النور: 35) ، إلى آخر الآية، وقال تعالى:

{فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم

المفلحون} (الأعراف: 157) ، فأهل الجهل البسيط منهم أهل الشك والحيرة من

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٨٥