حصل لهم من الشبهات والاختلاف الذي لم يهتدوا معه إلى الحق، كما قد ذكر
تفصيل ذلك في موضع غير هذا.
والمقصود هنا أنه لما ذكر ذلك قال: ومن الذي وصل إلى هذا الباب، ومن
الذي ذاق من هذا الشراب:
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وقال: لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا
ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات
﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ (فاطر: 10) ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (طه: 5) ، وأقرأ في النفي ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (الشورى: 11) ﴿ولا يحيطون به علما﴾ (طه: 110) ، ومن جرب مثل
تجربتي عرف مثل معرفتي، وهو صادق فيما أخبر به أنه لم يستفد من بحوثه في
الطرق الكلامية والفلسفية سوى أن جمع قيل وقالوا، وأنه لم يجد فيها ما يشفي
عليلا أو يروي غليلا، فإن من تدبر كتبه كلها لم يجد فيها مسألة واحدة من
مسائل أصول الدين موافقة للحق الذي يدل عليه المنقول والمعقول، بل يذكر في
المسألة عدة أقوال، والقول الحق لا يعرفه فلا يذكره، وهكذا غيره من أهل الكلام
والفلسفة ليس هذا من خصائصه، فإن الحق واحد ولا يخرج عما جاءت به
الرسل، وهو الموافق لصحيح العقل وفطرة الله التي فطر عليها عباده، وهؤلاء
لا يعرفون ذلك بل هم ﴿من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا﴾ (الروم: 32) ،
وهم مختلفون في الكتاب ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾ (البقرة: 176) .
وقال الإمام أحمد في خطبة مصنفه الذي صنفه في محبسه في الرد على
الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله قال:
(الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من
ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون
بنور الله أهل الضلالة والعمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من تائه ضال
قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن
كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية
البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون
على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون
بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليهم) . وهو كما وصفهم
رحمه الله، فإن المختلفين أهل المقالات المذكورة في كتب الكلام، إما نقلا مجردا
للأقوال، وإما نقلا وبحثا وذكرا للجدال مختلفون في الكتاب، كل منهم يوافق بعضا
ويرد بعضا، ويجعل ما يوافق رأيه هو المحكم الذي يجب اتباعه، وما يخالفه هو
المتشابه الذي يجب تأويله، أو تفويضه، وهذا مجرد في كل مصنف في الكلام.
اه.
هذا ما أحببنا نقله من كلام شيخ الإسلام في هذا المقام، وقد أطال بعده في
وصف المتكلمين وخلافهم، وفضل الأشعري على غيره في معرفة الفرق ومذاهبها،
وذكر خلاف الفلاسفة أيضا، ونصر مذهب السلف بالعقل والنقل على مذاهب
جميع المتكلمين والفلاسفة، ولا يهولنك تخطئة هذا الرجل لجميع أولئك الأساطين
من الفلاسفة والنظار غرورا بشبهة الشيطان؛ لأنه لا يعقل أن يكون هو أعلم منهم
أو أذكى، حتى يكون أحق بالصواب وأولى، فالرجل ليس صاحب مذهب مخترع
تعارضت أدلته مع أدلة هذه الفرق، واشتبه علينا الأمر حتى نرجح قوله على كل
منها، أو نرجح غيره عليه، بل هو ناصر مذهب جمهور السلف الصالح بالأدلة
العقلية التي انخدع بنظرياتها كل من شذ عنه قليلا أو كثيرا، وأساس مذهبهم
الإيمان بكل ما جاء في كتاب الله وصح عن رسوله على الوجه الذي كان عليه خير
الأمة قبل افتتانها بالنظريات التي فرقتها شيعا، ونحمد الله أن سخر لها من هدم كل