تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا وإن لما أصاب الجزيرة من الشقاق والشقاء سببا أصيلا وراء الخلاف

الديني للبغي، وهو حب الرياسة وعلو بعض الزعماء على بعض، وسببين

عارضين وهما الجهل والفقر، وإزالة السببين العارضين من الأمور الكسبية القريبة

المنال، وإنما الشقاء كل الشقاء في الشقاق الناشئ عن حب الرياسة والعلو وخطره

المنذر بالهلاك والزوال.

إن في بلاد العرب من ينابيع الثروة ما يكفي لجعل أهلها من أغنى شعوب

الأرض كمعادن الذهب والحديد والحجارة الكريمة والأملاح والزيوت المعدنية وغير

ذلك، وفي كثير من أرضها قابلية لخصب الزراعة يعز نظيره في غيرها، وناهيك

بقهوة اليمن ونخيل المدينة وفاكهة الطائف، وأهلها أزكى الشعوب وأقواها استعدادا

للتجارة، حتى إن عوام الحضارمة قد زاحموا بها أرقى شعوب هذا العصر علما

وتجربة في بلاد الهند وجاوة ومصر، فبقليل من العلم والنظام تدخل جزيرة

العرب في حياة جديدة من الثروة والعمران، وتحفظ نفسها من الخطر المحدق بها

الآن، ولكن ذلك يتوقف على إزالة العداء الذي طرأ على أئمتها في هذا الزمان.

إذا زال الشقاق وأديل منه الاتفاق بين أئمة اليمن والحجاز ونجد، زال في

أثره ما منيت به البلاد من الجهل والفقر، وما يتهددها من فقد الاستقلال والذل،

وإذا حل بالجزيرة ما جعله الله تعالى بسنته في البشر، عقابا لازما لأهل التنازع

والفشل، يذل الإسلام ويزول سلطانه عن رؤوس سائر الأمم، وتكون تبعة ذلك

على أمراء الجزيرة وأئمتها، وما يظن بأحد منهم أنه يحسب أن بلاده بمأمن من

سيطرة الأجانب بقوتها، أو بحرها ووعورتها؛ إذ لم يبق (فيما أظن) منهم من

يجهل أن الأجانب قد استولوا على ما هو مثلها أو أشد منها قوة، وألذع حرا

وأصعب وعورة، على أنه ليس مثلها في كونه جزيرة أو شبه جزيرة، فهذه البلاد

يمكن للدول البحرية حصرها من البحر، ومنع السلاح عنه وقطع موارد الرزق،

ولا سيما إذا ثبتت سيطرتها على بلاد سورية والعراق التي يسهل حصرها أيضا إذا

هي نجت من تلك السيطرة وليتذكروا جميعا ما أوصى به النبي - صلى الله عليه

وسلم - في مرض موته بشأن جزيرتهم، وحكمة ما أشار إليه من أن الإسلام سيأرز

إليها كما تأرز الحية إلى جحرها وتطبيق ذلك على ما صار إليه أمر المسلمين الآن.

إن بقاء عز الإسلام يتوقف على استقلال العرب وإصلاح شؤونهم كما ثبت

عندنا بالنظر الصحيح، المؤيد لحديث جابر عند أبي يعلى بسند صحيح، وهو قوله

عليه الصلاة والسلام: (إذا ذلت العرب ذل الإسلام) ، ولا عز بغير استقلال،

ولا استقلال إلا بالقوة والمال، ولا قوة ولا ثروة مع الشقاق والفرقة، وإنما القوة

كل القوة بالاعتصام والوحدة، فإذا اتحد أمراء الجزيرة وأئمتها حفظوا استقلالهم،

وأمكنهم نشر العلم وتفجير ينابيع الثروة في بلادهم بمساعدة أهل البصيرة والقادرين

على تنظيم الإدارة والقوة وتدبير الثروة من أمتهم، وتسابقت الشعوب الغنية القوية

إلى موادتهم أو مصانعتهم، للاستفادة من قوتهم وثروتهم، بل هي على وشك

الاحتياج إليهم مذ الآن، لما بين غربي أوربة وشرقيها من المقارعة والصدام، الذي

يتوقف على نتيجته ما يكون عليه الشرق من حكم ونظام، ولا سيما شعوب الإسلام

من العرب والترك والفرس والتتر والأفغان.

هذا ما أحكيه لهم عن رأي أهل البصيرة والدين، من عقلاء العرب وعلماء

المسلمين، الذين يتنفسون الصعداء حزنا، ويحرقون الأرم غيظا وأسفا، كلما صخ

أسماعهم نبأ تقاتل أئمة الجزيرة، للتنازع على بعض الجبال والأودية [1] مع خراب

البلاد، وفقر العباد، اللذين يزيلهما الاتفاق والاتحاد، ويزيدهما الافتراق والجلاد،

وإنني بلسان صفوة المخلصين من عقلاء العرب وغيرهم من المسلمين، أدعوهم

إلى عقد الاتفاق والحلف بينهم على الأصول الآتية:

1- إبطال الحرب والغزو بين عرب الجزيرة العربية بعضهم مع بعض، وحل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٦١