تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في شيء} (الأنعام: 159) ، وما في معناه من الآيات والأحاديث.

إن هداية القرآن هي التي جمعت كلمة العرب على ما كان من تفرقهم وتعاديهم

في الجاهلية، وهي التي جعلتهم أئمة الأمم في العلم والحكم والآداب والعدل في إثر

إخراجهم من تلك الأمية، وما أصابهم ما أصابهم بعد ذلك من التفرق والتعادي

والجهل والفقر إلا بتركها، ولن تعود إليهم تلك النعم إلا بعودهم إليها {إن الله لا

يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} (الرعد: 11) . ولكن وحي شياطين

التفريق، قد زين بزخرف القول لكل فريق، أن كل شيعة تجمعها راية مذهب،

فإنما الواجب عليها أن تعمل بقول علمائه وحكامه، ولا يجوز لها أن تهتدي بكتاب

الله وسنة رسوله، وإن اختلفوا في الرأي، وتنازعوا في الأمر، خلافا لقوله عز

وجل: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ (النساء: 59) ،

وشبهتها على هذه المخالفة أن الاهتداء بكتاب الله المنزل، فتح لباب الاجتهاد المقفل،

فاختلفوا في أصل الاهتداء بالكتاب، الذي أنزله الله تعالى لإزالة الاختلاف:

من غص داوى بشرب الماء غصته ... فكيف يفعل من قد غص بالماء

إن الله تعالى أرسل رسله لهداية خلقه {وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين

الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا

بينهم} (البقرة: 213) ، فكيف يؤخذ بقول العلماء أو الأمراء الذين يبغي بعضهم

على بعض، فيما تنازعوا واختلفوا فيه من الأمر، إذا لم يرجعوا إلى الأصل

الجامع، ويحكموه في الخلاف الواقع، وهو يقول: {فإن تنازعتم في شيء فردوه

إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} (النساء: 59) ، ثم يعلل

ذلك تعليلا بقوله: ﴿ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ (النساء: 59) ؛ أي: أحسن عاقبة

ومآلا من كل ما عداه، فكيف لا يكون خيرا من اتباع أهوائهم، في تحكيم آرائهم،

والرد إلى أقوال زعمائهم وعلمائهم، على أن هذا الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله،

وذلك الاهتداء بهما، لا يستلزمان الاجتهاد الأصولي المطلق الذي أقفلوا بابه، فقد

كان عوام السلف الصالح مهتدين بهما، ولم يكن كل واحد منهم إماما مجتهدا في

استنباط جميع الأحكام، كأئمتهم المشهورين وعلمائه الأعلام.

نعم إن الشيخ محمد عبد الوهاب قد جدد دعوة الدين في بقاع نجد، فرجع

الألوف بها عما كانوا عليه من الجاهلية والشرك، وعادت تنتشر دعوته في جميع

جزيرة العرب التي يتعذر إصلاحها وجمع كلمتها بغير الدين، ولو تم ذلك لتجدد أمر

الإسلام في جميع أقطار المسلمين، ولكن حال دون ذلك فتنتان: (أولاهما) مقاومة

السياسة لها، و (الأخرى) غلو الكثير من القائمين بها، فالأولى إذاعة الساسة في

العالم كله أن هذه دعوة ابتداع في الدين، والغلاة أيدوا هذه الإذاعة بما اشتهر عنهم

من الغلو، ولا سيما تكفير من عداهم من المسلمين، ولهذه التهمة أصل، وقد بينا

الحقيقة في هذه المسألة من قبل، وغرضنا من الإلمام بذكرها الآن، بيان استعداد

العرب للصلاح والإصلاح بدعوة الإيمان، إذا قام بها من يدعو بها بالحكمة

والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن كما أمر القرآن، وتذكير الغلاة من

المتدينة بأن لا يغلو في دينهم ولا يقولوا على الله إلا الحق، ولا يحرموا ما لم يحرم

الله ورسوله بالنص أو اقتضاء النص، وأن يعذروا كل مخالف لهداية الدين بالتأول

أو الجهل، ويعتمدوا في بث الدعوة على نشر العلم والعمل به على قاعدة {يريد

الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} (البقرة: 185) ، وأن لا يكفروا أحدا من

أهل القبلة بذنب، وأن يفرقوا بين الجهل بشيء مما يجب الإيمان به عن جهل،

وإن عد بعضه الفقهاء كفرا ردة، وكفر العناد وتكذيب الرسول الذي كان عليه

مشركو الجاهلية في زمن البعثة، فإذا علموا هذا وعملوا به لا تلبث الدعوة أن تعم

الجزيرة وغيرها، ويسقط كل من يعارضها حرصا على الزعامة وحب الرياسة.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٦٠