تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صادقين * بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم

ولا هم يحزنون} (البقرة: 111-112) ، وقال تعالى: {ومن أحسن دينا ممن

أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا} (النساء: 125) ، قال المفسرون وأهل اللغة: معنى الآية: أخلص دينه وعمله لله،

وهو محسن في عمله. وقال الفراء في قوله: ﴿فقل أسلمت وجهي لله﴾ (آل

عمران: 20) أخلصت عملي. وقال الزجاج: قصدت بعبادتي إلى الله، وهو كما

قالوا: كما قد ذكر توجيهه في موضع آخر، وهذا المعنى يدور عليه القرآن، فإن الله

تعالى أمر أن لا يعبد إلا إياه، وعبادته فعل ما أمر وترك ما حظر، والأول هو

إخلاص الدين والعمل لله، والثاني هو الإحسان والعمل الصالح، ولهذا كان عمر

يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل

لأحد فيه شيئا. وهذا هو الخالص الصواب، كما قال الفضيل بن عياض في قوله:

﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ (هود: 7) قال: أخلصه وأصوبه. قالوا: يا

أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم

يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا،

والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.

والأمر بالسنة والنهي عن البدعة هما أمر بمعروف ونهي عن منكر، وهو من

أفضل الأعمال الصالحة، فيجب أن يبتغى به وجه الله، وأن يكون مطابقا للأمر،

وفي الحديث: (من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فينبغي أن يكون عالما بما

يأمر به، عالما بما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه، حليما

فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه) [3] ، فالعلم قبل الأمر، والرفق مع الأمر،

والحلم مع الأمر، فإن لم يكن عالما لم يكن له أن يقفو ما ليس له به علم، وإن كان

عالما ولم يكن رفيقا كان كالطبيب الذي لا رفق فيه فيغلظ على المريض فلا

يقبل منه، وكالمؤدب الغليظ الذي لا يقبل منه الولد، وقد قال تعالى لموسى

وهارون: ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾ (طه: 44) ، ثم إذا أمر أو

نهى فلا بد أن يؤذى في العادة فعليه أن يصبر ويحلم، كما قال تعالى: {وأمر

بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} (لقمان: 17) ، وقد أمر الله نبيه بالصبرعلى أذى المشركين في غير موضع،

وهو إمام الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فإن الإنسان عليه أولا أن

يكون أمره لله، وقصده طاعة الله فيما أمر به، وهو يحب صلاح المأمور وإقامة

الحجة عليه، فإن فعل ذلك لطلب الرياسة لنفسه ولطائفته وتنقيص غيره كان ذلك

خطيئة لا يقبله الله، وكذلك إذا فعل ذلك لطلب السمعة والرياء كان عمله حابطا، ثم

إذا رد عليه ذلك أو أوذي أو نسب إلى أنه مخطئ وغرضه فاسد طلبت نفسه الانتصار

لنفسه، وأتاه الشيطان، فكان مبدأ عمله لله، ثم صار له هوى يطلب به أن ينتصر

على من آذاه، وربما اعتدى على ذلك المؤذي، وهكذا يصيب أصحاب المقالات

المختلفة إذا كان كل منهم يعتقد أن الحق معه، وأنه على السنة، فإن أكثرهم قد صار

لهم في ذلك هوى أن ينتصر جاههم ورياستهم، وما نسب إليهم لا يقصدون أن تكون

كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، بل يغضبون على من خالفهم، وإن كان

مجتهدا معذورا لا يغضب الله عليه، ويرضون عمن كان يوافقهم، وإن كان جاهلا

سيئ القصد ليس له علم ولا حسن قصد، فيفضي هذا إلى أن يحمدوا من لم يحمده الله

ورسوله، ويذموا من لم يذمه الله ورسوله، وتصير موالاتهم ومعاداتهم على أهواء

أنفسهم لا على دين الله ورسوله، وهذا حال الكفار الذين لا يطلبون إلا أهواءهم،

ويقولون: هذا صديقنا وهذا عدونا. وبلغة المغل: هذا (بال) هذا (باغي) لا

ينظرون إلى موالاة الله ورسوله ومعاداة الله ورسوله.

ومن هنا تنشأ الفتن بين الناس، قال الله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٥٤