تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون

سعيرا} (النساء: 10) ، وقوله: {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه

نارا وكان ذلك على الله يسيرا} (النساء: 30) ، وأمثال ذلك من النصوص

الصريحة بدخول من فعل ذلك النار، ومع هذا فلا نشهد لمعين بالنار لإمكان أنه تاب،

أو كانت له حسنات محت سيئاته، أو كفر الله عنه بمصائب أو غير ذلك كما تقدم،

بل المؤمن بالله ورسوله باطنا وظاهرا الذي قصد اتباع الحق وما جاء به الرسول إذا

أخطأ ولم يعرف الحق كان أولى أن يعذره الله في الآخرة من المتعمد العالم بالذنب،

فإن هذا عاص مستحق للعذاب بلا ريب، وأما ذلك فليس متعمدا للذنب، بل هو

مخطئ، والله قد تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، والعقوبة في الدنيا تكون لدفع

ضرره عن المسلمين، وإن كان في الآخرة خيرا ممن لم يعاقب، كما يعاقب المسلم

المتعدي للحدود، ولا يعاقب أهل الذمة من اليهود والنصارى، والمسلم في الآخرة

خير منهم.

وأيضا فصاحب البدعة يبقى صاحب هوى يعمل لهواه لا ديانة، ويصد عن

الحق الذي يخالف هواه، فهذا يعاقبه الله على هواه، ومثل هذا يستحق العقوبة في

الدنيا والآخرة، ومن فسق من السلف الخوارج ونحوهم كما روي عن سعد بن أبي

وقاص أنه قال: نزل فيهم قوله تعالى: {وما يضل به إلا الفاسقين * الذين

ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في

الأرض أولئك هم الخاسرون} (البقرة: 26-27) ، فقد يكون هذا قصده، لا

سيما إذا تفرق الناس، فكان منهم من يطلب الرياسة له ولأصحابه، وإذا كان المسلم

الذي يقاتل الكفار قد يقاتلهم شجاعة وحمية ورياء، وذلك ليس في سبيل الله، فكيف

بأهل البدع الذين يخاصمون ويقاتلون عليها، فإنهم يفعلون ذلك شجاعة وحمية،

وربما يعاقبون لما اتبعوا أهواءهم بغير هدى من الله، لا لمجرد الخطأ الذي اجتهدوا

فيه، ولهذا قال الشافعي: لأن أتكلم في علم يقال لي فيه: أخطأت، أحب لي من أن

أتكلم في علم يقال لي فيه: كفرت.

فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضا، ومن ممادح أهل العلم أنهم

يخطئون ولا يكفرون، وسبب ذلك أن أحدهم قد يظن ما ليس بكفر كفرا، وقد يكون

كفرا؛ لأنه تبين له أنه تكذيب للرسول وسب للخالق، والآخر لم يتبين له ذلك، فلا

يلزم إذا كان هذا العالم بحاله يكفر [2] إذا قاله أن يكفر من لم يعلم بحاله.

والناس لهم فيما يجعلونه كفرا طرق متعددة، فمنهم من يقول: الكفر تكذيب

ما علم بالاضطرار من دين الرسول. ثم الناس متفاوتون في العلم الضروري بذلك،

ومنهم من يقول: الكفر هو الجهل بالله. ثم قد يجعل الجهل بالصفة كالجهل

بالموصوف، وقد لا يجعله، وهم مختلفون في الصفات نفيا وإثباتا، ومنهم من لا

يحده بحد، بل كل ما تبين أنه تكذيب لما جاء به الرسول من أمر الإيمان بالله

واليوم الآخر جعله كفرا، إلى طرق أخر. ولا ريب أن الكفر متعلق بالرسالة،

فتكذيب الرسول كفر وبغضه وسبه وعداوته مع العلم بصدقه في الباطن كفر عند

الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة العلم وسائر الطوائف، إلا الجهم ومن وافقه

كالصالحي والأشعري وغيرهم، فإنهم قالوا: هذا كفر في الظاهر، وأما في الباطن

فلا يكون كفرا إلا إذا استلزم الجهل بحيث لا يبقى في القلب شيء من التصديق

بالرب، وهذا بناء على أن الإيمان في القلب لا يتفاضل، ولا يكون في القلب

بعض الإيمان، وهو خلاف النصوص الصريحة وخلاف الواقع، ولبسط هذا

موضع آخر.

والمقصود هنا أن كل من تاب من أهل البدع تاب الله عليه، وإذا كان الذنب

متعلقا بالله ورسوله، فهو حق محض لله، فيجب على الإنسان أن يكون في هذا

قاصدا لوجه الله، متبعا لرسوله؛ ليكون عمله خالصا صوابا، قال تعالى: {وقالوا

لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٥٣