تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بجماله وصف، ولو لم يكن له إلا مقدمته لكانت وافية في الإشادة بذكره والإبانة عن

جلالة قدره، ولما طلب من مجتهد اليمن العلامة الشوكاني أن يشرح الجامع

الصحيح للبخاري قال: لا هجرة بعد الفتح. وقد بدأ تأليف شرحه الفتح مفتتح سنة

817 بعد أن أكمل مقدمته في سنة 813، وانتهى منه في غرة رجب سنة 842، وقد

أولم عند ختمه وليمة عظيمة لم يتخلف عنها من وجوه المسلمين إلا اليسير، أنفق

عليها نحو خمسمائة دينار (مائتين وخمسين جنيها مصريا) ، وقد لقي ما يستحق

من الحظوة في عصر مؤلفه حتى طلبه ملوك الأطراف بالاستكتاب، واشتري بنحو

ثلاثمائة دينار (مائة وخمسين جنيها مصريا) ، وانتشر في الآفاق حتى غطت

شهرته سائر الشروح، وهو يقع في ثلاثة عشر مجلدا، ومقدمته في مجلد ضخم

(وقد طبع بكل من مصر والهند مرتين) .

مختصرات الجامع: له مختصرات كثيرة من أشهرها مختصر الإمام جمال

الدين أحمد بن عمر الأنصاري القرطبي [62] ، ومختصر بدر الدين حسن بن عمر

الحلبي [63] المسمى (إرشاد الساري والقاري) ، ومختصر الحسين بن المبارك

الزبيدي [64] جرد فيه حديثه من أسانيده وسماه (التجريد الصريح لأحاديث الجامع

الصحيح) وقد شرحه شرحا وافيا حسن صديق خان ملك بهوبال بالهند، وكذلك

شرحه الشيخ عبد الله الشرقاوي.

كتب رجاله: منها (أسماء رجال البخاري) للشيخ الإمام أحمد بن محمد

الكلاباذي [65] وكتاب (التعديل والتجريح) لرجاله لأبي الوليد سليمان بن خلف

الباجي [66] ، و (الإفهام بما وقع في البخاري من الإبهام) [**] لجلال الدين بن عمر

البلقيني [67] .

***

الجامع الصحيح للإمام الحافظ مسلم بن الحجاج

هو ثاني الكتب الستة وأحد الصحيحين المشهود لهما بعلو الرتبة، وقد ذكر

النووي في أول شرحه له أن الحسين بن علي النيسابوري قال: ما تحت أديم

السماء أصح من كتاب مسلم. ووافقه على ذلك بعض شيوخ المغرب، ولكن الذي

لا ينبغي الإضرار فيه رجحان صحيح البخاري عليه؛ لأن الصفات التي تدور

عليها الصحة في كتاب البخاري أتم منها في كتاب مسلم، أما من حيث الاتصال

فلاشتراط البخاري أن يكون الراوي ثبت له لقاء المروي عنه ولو مرة، واكتفى

مسلم بمطلق المعاصرة، وما ألزم به مسلم البخاري من أنه يحتاج إلى أن لا يقبل

العنعنة [68] أصلا ليس بلازم؛ لأن الراوي إذا ثبت له لقاء من روى عنه مرة لا

يجري في رواياته احتمال أن لا يكون سمع منه؛ لأنه يلزم من جريانه أن يكون

مدلسا، والمسألة مفروضة في غير المدلس، وأما من حيث العدالة والضبط؛ فلأن

من تكلم فيهم من رجال مسلم ستون ومائة، ومن تكلم فيهم من رجال البخاري

ثمانون، مع أن الثاني لم يكثر من إخراج حديثهم، وأغلبهم من شيوخه الذين أخذ

عنهم ومارس حديثهم، وأما من جهة عدم الشذوذ والإعلال [69] ؛ فلأن ما انتقد على

البخاري من الأحاديث مما لم يشاركه فيها مسلم ثمانية وسبعون حديثا، وما انتقد

على مسلم كذلك ثلاثون ومائة، أضف إلى هذا ما في البخاري من الاستنباطات

الفقهية والدقائق الحكمية مما عري منه كتاب مسلم، هذا إلى اتفاق العلماء على أن

البخاري كان أجل من مسلم في العلوم، وأعرف بصناعة الحديث منه، وأن مسلما

تلميذه وخريجه، ولم يزل يستفيد منه ويتتبع آثاره حتى قال الدارقطني: لولا

البخاري لما راح مسلم ولا جاء. لكن الإنصاف يدفعنا إلى الاعتراف لمسلم بتلك

الميزة الجليلة والطريقة الحكيمة، ونعني بها سهولة التناول من كتابه؛ إذ جعل لكل

حديث موضعا واحدا يليق به، جمع فيه طرقه التي ارتضاها، وأورد فيه أسانيده

المتعددة وألفاظه المختلفة مما يسهل على الطالب النظر في وجوهه واقتطاف ثماره،

وتوليه الثقة بجميع الطرق التي للحديث، ولم يحم حول ذلك البخاري، بل فرق

طرق الحديث في الأبواب المختلفة.

وقد روي عن مسلم أن كتابه أربعة آلاف حديث دون المكرر، وبالمكرر

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٣٨