الذل عن أقوامه وها هي فارس التي كان الروس والإنكليز قد تقاسموها خطتين
وتشطروها منطقتين، ولم تجسر أن تقف في وجه واحدة من هاتين الأمتين هبت اليوم
تستنجز إنكلترة الرحيل التام عن أرضها وأعلنت إلغاء المعاهدة التي كانت قيدتها
بولائها كما أنها نجحت بمفاوضاتها مع الروسية السوفيتية بأنها نالت منها الاعتراف
التام باستقلال إيران ونزول الروس عن كل ما كان لهم هناك من مرافق ومنافع وديون
ومصارف إلى الحكومة الفارسية.
وأما مملكة أفغانستان التي هابت التهور في الحرب العامة مع جميع ضلعها
إلى تركية، فلم تقدر أن تجيب داعيها إلى الحرب وشن الغارة على الهند لم تخمد
نيران الحرب العامة حتى جدت بها نهضة لم تكن من قبل فعبت جيوشها واخترقت
ثغور الهند ونهضت معها قبائل شمالي الهند المشهورة ببأسها ونجدتها كالوزيري
والمسعودي وغيرهما فحشدت إنكلترة لمصادمة هذه نحو 300 ألف مقاتل، وهي منذ
سنتين ونصف سنة لا تقدر أن تخلي شمال الهند من الجيوش الجرارة المرابطة،
ولكن القبائل لا يمهلونها شهرا حتى يناوشوها شهرا، فأما أمير الأفغان فقد رضي
بمهادنة الإنكليز على شروط، منها: الاعتراف للأفغان بالاستقلال التام ليس في
الأمور الداخلية التي هو منذ الأول مستقل بها، بل في الأمور الخارجية أيضا
فأجابته إنكلترة إلى ما أراد وصارت له سفارة في موسكو وعقد مع الروس في هذه
الأيام الأخيرة معاهدة على قاعدة الولاء المتبادل وإمداد السوفيت له بالسلاح والعدة
وأعادت الروسيا له مقاطعة على حدود تركستان كان يدعيها من القديم وهو اليوم
ينظم جيوشه على أيدي ضباط عثمانيين وألمان، ومن جملة من عنده أحمد جمال
باشا الذي اتصل بخدمته، وأثناء تحريري هذه الأسطر حضر وفد أفغاني إلى برلين
مؤلف من ثمانية أشخاص يظن أن مقصد بعثته تأسيس علاقات سياسية مع ألمانيا
وتعيين سفير لأفغانستان لديها والاستضاءة بمعارف الألمان والارتفاق بصنائعهم،
كما أن عند أمير الأفغان معملا للسلاح أسسه منذ سنين جده المرحوم عبد الرحمن
خان، والأمير الحالي أمان الله خان ينوي تأسيس عدة معامل في بلاده وترقية
المعارف والصناعات بين أمته، وقد بلغنا أيضا أن في كل من إمارتي بخارى
وخيوه عددا من ضباط الأتراك العثمانيين يرتبون لهم أمورهم ويدربون جنودهم.
وإذا عطفت نظرك إلى شمالي إفريقية الذي وإن كان معدودا في الجغرافية من
المغرب فهو في الصلة والعرف والدين والغرض معدود من المشرق تجد أن أهالي
طرابلس الغرب فازوا باستقلالهم الداخلي وأوجدوا لأنفسهم حكومة ذات شخصية
مستقلة وأن أهالي تونس نهضوا بطلب حكومة تمثيلية مهما ماطلت فرنسا فلن تقدر
على منع إيجادها وإن عند الجزائريين حركة وطنية لم توجد في وقت من الأوقات
كما هي بعد الحرب. فأما المغرب الأقصى الذي ظن الفرنسيس أنه بعد الحرب العامة
يستسلم إلى بأس فرنسا الظافرة، فقد ثار ثورة لم يقم بها أثناء الحرب وأيام اشتغال
فرنسا بدفع الألمان عن بلادها وعدا المائة ألف جندي التي لفرنسا هناك جاء
المارشال ليوتي يطلب تقوية الجيوش بتجريد 80 ألف جندي آخرين للفراغ من أمر
المغرب، والله غالب على أمره.
وكل من يتأمل في هذه الحوادث وفيما يجري اليوم في بلاد الهند الواسعة وفيما
نالته مصر يعلم أن الأمم الشرقية قد نهضت من عثارها وهبت إلى الأخذ بثأرها وأن
أمام الشرق مستقبلا عظيما سيزعج الغرب من منامه وينزله عن صهوة غروره، فإنه
ما تم شيء إلا بدا نقصه وما طار طير إلا وقع، وما انبسط جناح إلا انقبض ولا يدوم
بؤس كما لا يدوم سعد، وما زال الدهر يعود كما بدا، ويكري كما أرمى (سنة الله في
خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا) .
... ... ... ... ... ... ... ... ... عربي صميم
-----------------
<span class="footnote">
(1) نقلا عن جريدة (يقظة العرب) الأميريكية تاريخ 23 و 30 سنة 1921.