تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هو معلوم من أن اليهود أرقى أهل الأرض في جميع هذه العلوم والفنون والأعمال

والمترتبة عليها، أينما وجدوا وحيثما حلوا من أقطار الأرض، وهم شعب شرقي

محافظ على نسبه ودمه، وكذلك الشعب الياباني في الشرق الأقصى قد جارى

الغربيين فيها من عهد قريب.

ولكن الأمر الغريب أن المسلمين في الشرق والغرب والجنوب والشمال لا

يزالون مقصرين في هذا المضمار، وبهذا التقصير أضاعت أكثر دولهم ملكها،

وأمسى الباقي لها بين براثن الخطر، ويضيع أكثر أفرادهم ملكهم في البلاد التي

يزاحمهم فيها غيرهم، فإن كان جل ثروة مصر وسورية والعراق لا يزل بيدهم،

فما ذلك من كسبهم بعلومهم وفنونهم، وإنما ذلك إرث رقبة الأرض تسلسل فيهم؛

لأنهم أكثر السكان المالكين لها، فهذه مصر أقدر البلاد العربية على اقتباس العلوم

والفنون المالية وغيرها، وأكثرها نفقة عليها نراها مقصرة في هذا الاقتباس، فجميع

من يعيش فيها من الشعوب الأوربية واليونانيين والسوريين يفوقون المصريين في

العلوم والفنون المالية الاقتصادية، وفي إدارة المال بالتجارة وغيرها، وفي

الاقتصاد وحفظ الثروة من التبذير والضياع، بل القبط من المصريين يفوقون

المسلمين في ذلك عملا، وثروتهم النسبية تفوق ثروة المسلمين، وأكثر أعمال

الحكومة المالية في أيديهم وأيدي الأوربيين والسوريين، بل أكثر المسلمين يعتمدون

على كتبهم في إدارة ثروتهم على أن المسلمين أشد إسرافا في الإنفاق وتبذير الأموال

منهم ومن سائر الشعوب التي نعرف أحوالها.

من فطن لهذا من علماء الاقتصاد يعلله بادي الرأي بأن الدين الإسلامي هو

السبب في الأمرين، وهذا التعليل يضاهي في البطلان تعليل من عساه يقول: إن

الدين المسيحي هو سبب ثراء نصارى الغرب وسعة عيشهم وشدة سطوتهم

وجبروتهم، والحق أن كلا من النصارى والمسلمين مخالف لهدي دينه ونصوص

كتابه في الأمرين، فالإنجيل يهدي إلى المبالغة في الزهد والقناعة والتواضع

والخضوع لكل سلطان، وينص على أن الغني لا يدخل ملكوت السماوات،

والإسلام دين سيادة واقتصاد، وجمع بين مطالب الروح والجسد، كما بينا ذلك

وفصلناه مرارا كثيرة، ومن نصوصه فيما نحن بصدده قوله تعالى في أوائل سورة

النساء: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾ (النساء: 5) ؛

أي: جعل عليها مدار قيام مصالحكم ومرافقكم وحفظها وثباتها، وقوله في صفات

المؤمنين من أواخر سورة الفرقان: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان

بين ذلك قواما} (الفرقان: 67) ، ونهى في وصايا سورة الإسراء عن المبالغة

في قبض اليد وبسطها في الإنفاق، وعن التبذير وسمى المبذرين إخوان الشياطين،

وهذه الوصايا هي أمهات أصول الدين وفضائله وآدابه، وهي تشمل الوصايا العشر

التي في التوراة ما عدا بطالة يوم السبت وتزيد عليها، وفي السنة وصايا وأحكام

كثيرة في ذلك.

فالمسلمون مخالفون لدينهم فيما اعتادوا من الإسراف في النفقات، وهذا إذا

كانت فيما أبيح لهم من الزينة والطيبات، فكيف إذا كانت في المحرمات؟ ولا سيما

الفواحش الثلاث المفسدات للفطرة المخربات للديار؛ السكر والزنا والقمار، وهم

على هدمهم بذلك لدينهم يهدمون كل ما يبنى من صرح استقلالهم، وإنني لم أر ولم

أسمع من أخبار البشر أن شعبا منهم يعادي النقد الذي هو ميزان الأعمال والقوة في

الاجتماع البشري كالشعب المصري، فالمصري أسرع الناس بذلا لما يصل إلى يده

من النقد، فالمتمتعون بالزينة واللذات ينفقون في سبيلهما ما تصل إليه أيديهم من

كسب وقرض، ولو بالربا الفاحش، وغير المتمتعين يشترون بما تصل إليه أيديهم

من كسب وقرض بالربا أرضا أو عقارا، ولا يبالي أكثر الفريقين أن يشتري

الشيء بأضعاف ثمنه، وإن استدان الثمن بالربا الفاحش؛ لأن النقد أحقر الأشياء

في نظره، ولذلك ترى أكثر المصريين على سعة ثروتهم الزراعية مرهقين بالدين،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٣٠