تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقيل) (ما أقيله) استغناء عنه بنحو (ما أكثر قائلته) كما قالوا: تركت ولم يقولوا

ودعت.

والذي نرى أن إبطال القياس في مثل المسألة الأولى - أعني باب المغالبة -

بعلة أنه مستغنى عنه بصيغة أخرى - غير سديد وإنما المدار على قلة ما ورد منه

وكثرته، فإذا كانت الشواهد المروية منه بحيث بلغت ما يكفي للاعتداد به في وضع

القواعد صح جعله قياسا مطردا، وليس غنى اللغة بما تملكه من صيغة أو صيغ

تفيد معنى خاصا بمانع من أن يضم إليها طريق آخر يزيدها سعة على سعتها،

فترادف المفردات والصيغ على غرض واحد في اللغة ليس بعزيز.

وأما المسألة الثانية، أعني الاستغناء عن قولك (ما أقيله) بمثل (ما أكثر

قائلته) فهي راجعة إلى الكشف عن وجه إهمال العرب للصيغة الأولى، وقد

تعرضنا فيما سلف إلى حكم اللفظ الذي تتناوله قاعدة، ولم نسمع في كلام العرب ما

يدل على أنهم نطقوا به على وفقها، وذكرنا الفرق بين ما يدور في محاوراتهم

بكثرة فنقتفي فيه أثرهم ولا نخرج في تصريفه عن الوجه المنقول عنهم، وبين ما

لا يكون كثيرا شائعا فيسوغ لنا أن نصرفه وننطق به على ما تقتضيه القواعد دون

توقف على سماع. وكأن الأمثلة التي ذكر سيبويه في (الكتاب) وابن جني في

(الخصائص) أن العرب استغنت عن تصريفها بصيغ أخرى، وجعلوا التلفظ بها

على طبق القاعدة خطأ - كانت في نظرهما من القسم الأول وهو ما لا نتجاوز فيه حد

الرواية، والوقوف في الألفاظ الدائرة في المخاطبات بكثرة عند وجهها المسموع وعدم

إجرائها في سبيل القاعدة لا يعد في غرائب اللغة العربية، فإن في غيرها من اللغات

الأخرى كاللسان الألماني مصادر تتصرف على وجوه تخالف القواعد المعروفة،

ويصرح علماؤهم بوجوب التلفظ بها على تلك الوجوه الشاذة ويعدون المتكلم بها على

نمط القاعدة قد تعدى حد اللغة وارتكب خطأ فاحشا، بل ترى من أسماء التفضيل

المتداولة في ذلك اللسان ما شذ عن القاعدة إلى أن ركبوه من حروف غير حروف

الوصف الأصلي، على نسق ما يقول علماء لغتنا أن الخلد - وهو الفار الأعمى -

يجمع على مناجد أو مناجذ.

وتصرف العرب في بعض أسماء الأجناس فاشتقوا منها أفعالا وأوصافا فقالوا:

تقمص وتجورب وتحجر واستنسر البغاث واستنوق الجمل، وقالوا: أحنك

الشاتين أو البعيرين وفلان آبل الناس، أي أشدهم تأنقا في رعي الإبل، وقد رأى

علماء العربية أن الأمثلة الواردة في هذا الغرض لا تكفي لفتح باب القياس فوقفوا

فيه عند حد السماع، وكثيرا ما ينكرون على من ينتزع فعلا من غير مصدر كما

اعترضوا على القطب الرازي في قوله: (والشيخ في الشفاء ثلث القسمة) بدعوى

أن لفظ (ثلث) محدث لم ينطق به العرب، ولم يلتفتوا إلى قياسه على ما صح لغة

من قولهم خمس وسبع وأمثالهما، حتى استشهد له السيلكوتي بحديث: (شر الناس

المثلث) يعني الساعي بأخيه، يهلك نفسه وأخاه وإمامه , ولم أر من حام على

القول بجعل مثل هذا مقيسا إلا عبد اللطيف البغدادي فإنه اعترف في كتاب التكملة

بأن لفظ التجنيس والمجانسة مولد وأجازه على وجه القياس وقال هو من لفظ الجنس

كالتنويع المأخوذ من لفظ النوع.

وإطلاق التصرف بمثل هذا للإفراد فيصنع كل على انفراده من أسماء

الأجناس وأشباهها ما يبدو له من أفعال وأوصاف يفضي إلى إلقاء الجمل مركبة من

ألفاظ لا يألفها المخاطبون أو يتعاصى عليهم فهم ما يقصد منها، واللغات الأجنبية

يجري فيها الاشتقاق من أسماء الأجناس أحيانا، ولكن الذي يقوم بذلك جمعيات

علمية تصوغ الكلمة وتضعها في ديوانها اللغوي وتنشرها بين الناس.

***

القياس في وضع أسماء الأجناس

يقول ابن فارس في طالعة تأليفه المسمى بالصاحبي: إن اللغة قد قر قرارها فلا

نعلم لغة من بعد النبي صلى الله عليه وسلم حدثت، فإن تعمل اليوم لذلك متعمل

وجد من نقاد العلم من ينفيه ويرده، ولم يبلغنا أن قوما من العرب في زمان يقارب

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٩٩