ضارا بالسوريين مفرقا لهم، ولم أكتم ذلك عنهم، بل عاتبت عليه واضع أساسه
السير مارك سايكس المحب المخلص للعرب، وكلمته بذلك في هذا الفندق الذي نحن
فيه، فأجابني قائلا: إننا فعلنا هذا لمصلحة العرب أيضا؛ لأنهم إذا ظلمهم أحد
الفريقين وشدد عليهم الوطأة احتجوا عليه بلين الفريق الآخر وحسن إدارته وعدله! !
ثم ذكر مسألة مصر والعراق وعزم الإنكليز على منحهما الاستقلال، وما
يجب من نبذ كل خلاف في هذه السبيل، والإجماع على تأييد الحكومتين اللتين
تؤسسان في القطرين؛ لأنهما تجربة إذا فشلت قضي على الأمة العربية والشرق
كله بأنه غير أهل للاستقلال بنفسه، ثم ختم الخطاب بقوله: إنه يعتقد أن جميع
الحاضرين على رأيه، فصفق له بعض الحاضرين، وتعقبته بالرد عليه.
***
خطبة الكاتب في المسألة
افتتحت خطابي بقولي: إنني متطفل بالخطابة لم أدع إليها، ثم قلت: إنه كان
الظاهر من هذه الدعوة أنها شخصية يريد بها المحتفل تكريم صديق له، لا سياسية
كما ظهر من خطاب الدكتور نمر. ولو أن الخطيب بين رأيه في الموضوع الذي
تكلم فيه ولم يحاول حمل الحاضرين على إقراره عليه، وطلب الموافقة عليه
بالإجماع - لكنا في سعة من السكوت، ولكنه قال: إنه يظن أن الجميع على رأيه،
وقد صفق له أفراد وسكت الباقون، فيمكن أن يقال: إن السكوت رضا وإقرار،
والإجماع السكوتي مختلف فيه عند علماء الأصول، بعضهم يقول: إنه حجة
بشرطه، والآخرون يقولون: إنه ليس بحجة.
وقد سبق لحضرة الدكتور خطاب في اجتماع مثل هذا طلب فيه الموافقة على
ما قاله في اتفاق سنة 1916 على إثر إعلان الحلفاء له، وهو مطالبتهم بطرد
الترك من بلادنا وتفويض أمرها إليهم، وتحسين الظن بهم، فاضطررت إلى
معارضته وقتئذ كما اضطررت الآن، وحال ذلك دون موافقة ذلك الحفل على ما
اقترحه. ويظهر الآن أنه لا يزال على رأيه الأول بعد أن مزق الحلفاء شمل
سورية، وجعلوها بضعة ممالك أو دول دينية، فأوقد ذلك فيها نيران الثورات
والفتن بحيث لم يفعلوا بشيء من بلاد أعدائهم مثل هذا التمزيق والتنكيل في بلاد
أصدقائهم!
وأغرب ما جاء في خطابه الآن ما نقله عن السير مارك سايكس الذي شهد له
بالإخلاص في حب العرب مع العلم بأنه هو واضع معاهدة اتفاق سنة 1916 على
اقتسام بلادهم واستعبادها، وهو أن هذه القسمة التي قال الخطيب: إنه كان قد
استاء منها، لم يبعثهم عليها إلا شدة حب العرب ومراعاة مصالحهم بما تكون قسمة
بلادهم بين سيدين مالكين وسيلة إلى احتجاجهم على من أساء منهما وظلم، بفعل
من أحسن ورحم، ولكن ماذا يعملون إذا اتفق الفريقان على الإساءة والظلم؟
وها نحن أولاء نرى وطأة بريطانية العظمى في القسم الجنوبي من سورية
أشد من وطأة فرنسة في القسم الشمالي منها خلافا للمعهود والمشهور في الاستعمار
الذي يشهد فيلسوف فرنسة الاجتماعي غوستاف لوبون بتفضيل المنهج البريطاني
فيه على المنهج الفرنسي كما بينه في كتابه روح السياسة أو فلسفة السياسة، ذلك
بأن بريطانية زادت على ما شاركت فيه فرنسة من الاستئثار بإدارة البلاد أن جعلتها
وطنا قوميا لغرباء اليهود الصهيونيين، وقررت تمليكهم رقبة أرض البلاد بإعطائهم
الأراضي الأميرية فيها، التي هي ملك بيت مال المسلمين، وأملاك السلطان عبد
الحميد التي اغتصبها من الأهالي، وتريد أن تجعلهم أكثر أهل البلاد بالتدريج حتى
تخرج عن كونها عربية، وقد بحت أصوات أهل البلاد من إقامة الحجج والبراهين،
فلم تغن عنهم شيئا، وقد سبق لي في سنة 1915 جدال عنيف مع السير مارك
سايكس في هذا الفندق علمت منه ما يسرون لبلادنا.
وأما مشروع تأسيس حكومة وطنية في العراق تابعة لوزارة المستعمرات
الإنكليزية فهو لا يغر أحدا من العرب؛ لأنهم يطلبون الاستقلال لا الاستعمار
الأجنبي، وغرض الدولة البريطانية منه معروف صرح به ناظر المستعمرات،